قالولها ولادها ماتو حكايات صافي هاني
قالولها إن ولادها التوأم ماتوا... وبعد خمس سنين، اكتشفت إنهم عايشين ومع أغنى ميلياردير في البلد.
إلهام منصور كانت بتعرف إزاي تعيش بكرامتها، حتى لما الدنيا كانت بتيجي عليها بكل قسوتها. من خمس سنين، لما أبوها عرف إنها حامل طردها ونفاها لقرية بعيدة ومقطوعة في الصعيد. محدش رضي يسمعها و
إلهام ولدت في وحدة صحية صغيرة في القرية دي، ليلتها كان فيه عاصفة ومطر وضلمة كحل بره. فاكرة كويس إنها سمعت صوت طفلين بيعيطواواحد صوته عالي، والتاني صوته واطي ومخنوق. فاكرة وهي بتتحايل عليهم بدموعها عشان يشوفوا ولادها، وفاكرة نظرة الممرضة وسكوتها قبل ما تنطق بالكلمة اللي هدّت حياتها البقية في حياتك.. ماتوا. في اليوم ده، حتة من إلهام ماتت معاهممش بس حلمها إنها تكون أم، لا، ده كل إحساس بالأمان في الدنيا دي طار.
بس إلهام مكسرتش. في الصعيد، اتعلمت إزاي تنشف، إزاي تحارب، وإزاي تذاكر في ليالي طويلة ملهاش آخر، وتبني مستقبلها من مفيش، بالاعتماد على دماغها وإرادتها بس. بدأت تصلح كمبيوترات، وتجدد الأجهزة القديمة والمحروقة، وتشتري خردة من الأسواق الشعبية وتطلع منها دهب.. لقت قيمة في حاجات الناس كانت بترميا في الزبالة. ومع الوقت، وتحت اسم مستعار نسمة حرية، بقت واحدة من أشهر وأقوى الهكرز الأخلاقيين في البلدرغم إن محدش كان يعرف شكلها أو اسمها الحقيقي. ومع كل ده، كانت كل يوم قبل ما تنام، تهمس بصوت واطي للطفلين اللي فاكرة إنها خسرتهم للأبد.
كانت بتقول يا ولادي.. مطرح ما تكونوا، أتمنى تكونوا سامعين صوت المطر، وصوت العصافير، وصوت الدنيا اللي كان نفسي أفرجكم عليها.
مكنتش تتخيل ثانية واحدة إن الكلمات دي بالذات هترجعلها في يوم من الأيام ومن تدبير القدر نفسه.
في يوم، في وسط زحمة ميدان التحرير، جِري عليها طفلين عندهم خمس سنين، وقاموا متشعلقين فيها فجأة كأنهم بقالهم العمر كله بيدوروا عليها.
البنت الصغيرة صرخت وهي بتضم وسط إلهام بكل قوتها ماما!.
إلهام اتسمرت في مكانها ومبقتش ناطقة. الولد، اللي كان شبه أخته بالملي بس هادي وملامحه جد، مسك فيها هو كمان بكل غله.
ماما، أخيرًا لقيناكي!.
قبل ما إلهام تستوعب إيه الهبل ده وفيه إيه، قرب منهم راجل طول بعرض، لابس بدلة شيك جداً ووراه حرس شخصي. أول ما إلهام شافتهم بيقربوا من العيال، غريزة الأمومة والخوف حركتها، وقامت هبدة الراجل بشنتطها في وشه.
ابعد عنهم يا حرامي يا خطاف بني آدمين!.
الراجل بصلها بذهول وصدمة مش طبيعيةكأن مفيش مخلوق في الدنيا دي كلها جرىء لدرجة إنه يلمسه أو يرفع عينه فيه.
قالها بحدة أنا أكرم الألفي.. أبوهم.
إلهام دمها نشف في عروقها. أكرم الألفيصاحب مجموعة الألفي للاستثمار، واحد من أغنى وأقوى رجال الأعمال في مصر وأكترهم نفوذ وسيطرة، الراجل اللي صورته على غلاف المجلات وكل برامج التلفزيون بتتكلم عن ثروته
العيال، فريدة ويوسف، ضحكوا وهم بيمسحوا دموعهم.
فريدة قالت بابا، متبقاش زعلان.. ماما افتكرتك شرير عشان كانت بتدافع عنّا.
أكرم رد وصوته فيه نبرة مهزوزة وشاكك في نفسه دي مش مامتكم.
يوسف رد عليه في ثانية لأ هي.. إحنا بنشوفها في أحلامنا علطول.. وبتقولنا كلام عن المطر والعصافير.
إلهام حست إن الهوا اتقطع عن سدرها ومش قادرة تاخد نفسها.
وأكرم ملامحه اتغيرت وبقى متلخبط وعينيه كلها أسئلة.. الست اللي واقفة قدامه دي تبقى مين؟
أكرم الألفي واقف متنّح، عينيه بتتحرك بين وش إلهام وملامح يوسف وفريدة.. الشبه مش طبيعي، بس كلام ابنه عن المطر والعصافير هو اللي هبّط عليه حيطة. الجملة دي بالذات ميعرفهاش غيره هو والعيال، ومستحيل تكون صدفت.
إلهام كانت بتترعش، ضغطها وطي وحست إن الرصيف بيلف بيها. سابت الشنطة من إيدها وقعدت على ركبها في الأرض، وبقت بتبص في وش يوسف وفريدة بذهول.. ركزت في تفاصيلهم، في رسمة عينيهم، في ريحتهم اللي فجأة حست إنها عارفاها، إنها ريحتها هي!
أكرم شاور للحرس بنظرة حادة، وفي ثانية كانوا محاوطين المكان عشان يمنعوا فضول الناس في الميدان. قرب من إلهام، وطى لمستواها وقال بصوت واطي ومزلزل
أنتِ مين؟ ومين اللي زاقِقِك عليا وعلي ولادي؟
إلهام رفعت عينيها اللي اتملت دموع وبصتله بكل غل وقالت بصوت مخنوق
أنا اللي مين؟! أنت اللي مين وخاطف ولادي بقالك خمس سنين؟! أنا قالولي في المستشفى إنهم ماتوا! الممرضة غمت عيني وقالتلي البقية في حياتك!
أكرم حس بصدمة ضربت دماغه. خمس سنين؟ نفس عمر العيال.. ونفس الطريقة اللي هو استلمهم بيها! هو كمان اتقاله إن أمهم اتخلت عنهم وماتت بعد الولادة في مستشفى استثماري كبير، ودفع ملايين عشان ياخدهم من غير شوشرة.
فريدة مسكت إيد إلهام وبواستها ماما، متعيطيش.. إحنا جينا خلاص ومش هنسيبك.
أكرم وقف بطوله، ملامحه رجعت قاسية وجامدة زي الصخر، وبص لإلهام وقال بلهجة آمرة مفيهاش نقاش
قدامي على العربية. الحساب والكلام مش هيبقى في الشارع.. وإياكِ تفتكري إن الفيلم ده هيمشي عليا.
إلهام وقفت وبصتله بتحدي، رغم الرعب اللي جواها من نفوذه
أنا مش هتحرك من هنا غير وولادي، وأعلى ما في خيلك اركبه يا أكرم يا ألفي!
أكرم ابتسم بسخرية باردة وقرب منها وقال
لو عايزة تسبيهم وتمشي.. اتفضلي الباب مفتوح. بس لو عايزة تعرفي العيال دول ولاد مين بجد، وايه اللي حصل من خمس سنين.. هتركبي معايا بالذوق، بدل ما أخلي حراسي يركبوكي بالعافية.. وقانوناً أنتِ متهجمة عليا في الشارع.
إلهام بصت ليوسف وفريدة اللي كانوا ماسكين في فستانها ورعبهم من إنها تختفي تاني خلاهم يعيطوا. بلعت ريقها، وبصت لأكرم بعيون قطة شرسة وقالت
ماشي.. هركب. بس وعهد الله، لو طلعت أنت اللي عملت فيا كده زمان، مش هيكفيني فيك عمرك كله.
أكرم فتحلها باب العربية الجيب السودا الكبيرة
العربية الجيب دخلت من البوابة الحديد الضخمة لقصر الألفي، مكان يحبس الأنفاس من فخامته، بس إلهام مكنتش شايفه غير العيال اللي ناموا من التعب . كانت بتملس على شعرهم ودموعها نازلة من غير صوت، مش مصدقة إن حتة من قلبها كانت عايشة كل السنين دي وهي بتموت في اليوم مية مرة.
أكرم نزل من العربية وفتح الباب بنفسه، وبص للعيال النايمين، ملامحه قسيت أكتر بس صوته كان واطي وهو بيكلم الشغالة اللي جريت عليهم
خدي يوسف وفريدة طلّعيهم أوضتهم، ومحدش يدخل عليهم.
إلهام سابتهم بحذر وهي حاسة إن روحها بتتسحب معاهم، ونزلت وقفت قدام أكرم.. القصر كان هادي لدرجة تخوف. شاورلها بمكتبه ودخلت وراه، قفل الباب وبص في عينيها مباشرة وقال ببرود مرعب
دلوقتي إحنا لوحدنا.. انطقي. مين اللي باعتك؟ رأفت منصور أبوكي؟ ولا بسنت أختك؟
إلهام اتصدمت، وجسمها كله تشنج
أنت تعرف أبويا وأختي منين؟! أنت ليك يد في اللي حصلي زمان؟!
أكرم ضحك سخرية عالية ومريرة، وقرب منها لحد ما بقى مفيش بينهم غير خطوة واحدة
أنا مبعملش حاجات من تحت الترابيزة يا شاطرة. من خمس سنين، أختك بسنت جت لحد عندي، وقالتلي إن فيه بنت غلت فيها وعايزة تلفق ل أكرم الألفي قضية عشان تاخد قرشين.. وقالت إن البنت دي حبلت من واحد في فندق وناوية ترمي بلاها عليا وتدّعي إنها ليلتي أنا! أبوكي رأفت منصور جه واعتذرلي بنفسه عشان يلم الموضوع ويداري على فضيحتكم، وقالولي إن البنت هربت الصعيد.. والعيال اتولدوا في مستشفى استثماري يخص عيلتنا، والتقرير جالي إن الأم اتنازلت عنهم وماتت في نفس اليوم من نزيف حاد! أنا مكنتش أعرف إن الأم دي تبقى أنتِ، ولا كنت أعرف إن العيال ولادي بجد غير لما عملت تحليل DNA وقتها وطلعوا قطعتين مني!
إلهام حست الأرض بتهد فوق دماغها.. الصورة بدأت توضح، والمؤامرة كانت أكبر وأوسخ مما تتخيل. أختها بسنت ومرات أبوها هما اللي خططوا لكل ده.. هما اللي خدوها الفندق، وهما اللي باعوا ولادها لأكرم الألفي عشان يقبضوا التمن ويفضولهم الجو!
إلهام ضحكت بهيستيريا، والدموع مغرقة وشها
باعوني.. عيلتي باعتني وقبضت التمن! وأنت صدقت؟ صدقت إن واحدة تصحي من البنج تلاقي نفسها متخدرة تبقى هي اللي خططت؟! أنا ولدت في وحدة صحية في أخر الدنيا يا أكرم بيه! الممرضة هناك هي اللي قالتلي ولادك ماتوا.. أختي وأبويا زوروا ورق المستشفى الاستثماري وباعوا العيال ليك!
أكرم سكت.. ذكاءه وخبرته في السوق خلوه يشوف الصدق والرعب الحقيقي في عينيها.. الكلام ركب على بعضه، واللغز اللي بقاله
أكرم قعد على مكتبه، وحط إيده على دماغه وهو بيحاول يستوعب حجم الكارثة.. وفجأة بص لإلهام وقال
لو كلامك صح.. يبقى إحنا الاتنين اتلعب بينا. بس ده ميتنازلش عن حق واحد.. العيال دول ولادي، وعايشين في خيري وعزي، ومستحيل يخرجوا من هنا.
إلهام مسحت دموعها فجأة، وعينيها فجأة اتحولت لكتلة نار.. الضعف اختفى، وظهرت نسمة حرية الهاكر اللي بتزلزل شركات بكلمة منها. قربت من مكتبه، ساندت بإيديها وبصتله بكل ثقة وقالت بصوت فحيح الأفاعي
العيال دول ولادي أنا كمان يا أكرم بيه.. والفلوس والعز بتوعك دول مبهوروش بيهم، أنا أقدر أهدلك نص شركاتك وأنت قاعد في مكانك ده.. اللي لعب اللعبة دي هيدفع التمن، غالي أوي.. من أول الممرضة اللي في الصعيد لحد أبويا وأختي.. وحتى أنت لو وقفت في طريقي!
أكرم رفع عينه وبصلها بذهول.. النبرة دي، والقوة دي، مكنتش نبرة بنت ريفية مكسورة.. دي نبرة حد معاه سلاح صاحي. قبل ما ينطق، إلهام طلعت تليفونها، وفتحت شاشة سودا مليانة أكواد، وفي أقل من دقيقة، شاشات مكتب أكرم كلها اتطفت واشتغلت تاني، وظهر عليها لوجو الرياح الصافية نسمة حرية.
أكرم وقف من صدمته أنتِ.. أنتِ الهاكر اللي قلب الدنيا الشهر اللي فات وفضح صفقة سلاح الميناء؟!
إلهام ابتسمت ابتسامة ثقة وباردة
أنا هي.. ودلوقتي يا أكرم بيه، إحنا لينا مصلحة واحدة.. نجيب اللي عمل كده وندوس عليه.. وبعدها، نشوف حكايتنا إحنا والعيال هترسي على إيه.
أكرم فضل باصص للشاشات وباصص لإلهام، للحظات السكوت كان سيد المكان، ومفيش صوت غير صوت نفسهم العالي. الصدمة مكنتش سهلة عليه؛ الراجل اللي بيلوي دراع حيتان السوق، واقف قدام بنت اتقال عنها مكسورة ومطرودة، وتكتشف إنها الهاكر اللي الأجهزة الأمنية والشركات الدولية بتدور عليها.
أكرم قفل اللابتوب بتاعه ببطء، وسند ضهره لورا على الكرسي، ملامحه رجعت لبرودها المعهود بس عينيه كانت بتلمع بإعجاب مخفي وقال
نسمة حرية.. مكنتش أتخيل أبداً إن الاسم اللي عامل قلق في الكواليس يطلع صاحبه بنت هربانة في الصعيد. برافو يا إلهام، كارت قوي.. بس تفتكري الكارت ده كفاية يقف قدام أكرم الألفي؟
إلهام لمت تليفونها وحطته في جيبها بكل برود، وقعدت على الكرسي اللي قدامه وحطت رجل على رجل وقالت
أنا مش جاية أحاربك يا أكرم بيه، أنا جاية أخد حقي. والورق اللي معاك والورق اللي معايا بيقول إننا في مركب واحدة.. ولادك هما ولادي، واللي خطط ولعب اللعبة دي، لعبها عليا وعليك. أنت اتدفعلك ورق مزور واشتريت عيال مش من حقك تشتريهم بالطريقة دي، وأنا اتسرق مني عمري.. تفتكر مين الكسبان في الآخر؟
أكرم سكت، كلامها لمس حقيقة هو نفسه مكنش عايز يواجهها. هو فعلاً دفع ملايين عشان يقفل القضية