قالولها ولادها ماتو حكايات صافي هاني
DNA أثبت أبوته، بس مكنش يعرف إن فيه أم بتنزف قهر في مكان تاني.
أكرم وقف وولع سيجار وبص من الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف الجنينة وقال
رأفت منصور وبنته بسنت.. الحساب معاهم مش هيبقى ساهل. رأفت داخل معايا في مناقصة ل مشروع مدينة سكنية جديدة الأسبوع الجاي، وحاطط فيها كل سيولته وكل ورقة يملكها عشان ينقذ شركته اللي بتفلس.. وبسنت كانت لسه مكلمة السكرتيرة بتاعتي امبارح عشان تحضر حفلة بكره هنا في القصر.
إلهام عينها لمعت بشر لأول مرة وقالت
حفلة بكره؟ تمام أوي.. خليهم يجوا. الحفلة دي هتبقى ليلتهم الأخيرة في النور.
أكرم لف وبصلها
ناوية على إيه؟
إلهام وقفت وقربت منه وقالت بثقة مرعبة
أنا هقعد هنا في القصر مع ولادي.. لحد بكره. وبكره في وسط الحفلة، قدام كل رجال الأعمال والكاميرات والناس اللي أبويا بيعملهم ألف حساب، هعرض السي دي الحقيقي.. هعرض ورق التزوير، وفويس الإتفاق، وأكواد التحويلات البنكية اللي بسنت هانم استلمت بيها تمن ولادي من خمس سنين. أنا جيبت كل ده في دقايق وأنا قاعدة معاك في العربية.
أكرم رفع حاجبة وبص لمكتبه وقال بابتسامة خبيثة
وأنا هساعدك.. هسيبلك سيستم القصر كله والشاشات تحت أمرك. بس فيه شرط يا إلهام.
إلهام حطت إيدها في وسطها شرط إيه؟
أكرم قرب منها وقال بصوت واطي
بعد ما نهد المعبد على دماغهم.. العيال مش هيخرجوا من هنا. يوسف وفريدة اسمهم الألفي، ومستقبلهم هنا.. لو عايزة تفضلي معاهم، القصر واسع.. تفضلي هنا بصفتك أمهم، بس خروج من باب القصر بيهم.. لاء.
إلهام بصتله بتحدي ومردتش، سابته ومشيت ناحية الباب، وقبل ما تفتح وبصتله ورا ظهرها وقالت
خلينا نخلص من ديباح ومصاصين الدم الأول يا أكرم بيه.. وبعدين نشوف مين فينا اللي كلمته هتمشي على التاني.
خرجت إلهام من المكتب وطلعت تجري على أوضة يوسف وفريدة، فتحت الباب بالراحة ولقتهم نايمين زي الملايكة.. راحت قعدت على طرف السرير واخدتهم وهي بتعيط فرحة وقهر.. وبتتوعد في سرها إن الشمس مش هتطلع بعد بكره غير وكل اللي ظلموها تحت رجليها.
ليل الحفلة جه، وقصر الألفي كان متقيد نور ومقلوب خلايا نحل.. عربيات مرسيدس وبي إم دبليو من أحدث الموديلات واقفة طوابير قدام البوابة، وأكبر رجال الأعمال والمسؤولين والمجتمع المخملي في مصر كانوا بيتحركوا في الجنينة الواسعة على أنغام مزيكا هادية، والكل جاي يوجب مع أكرم الألفي في حفلته السنوية.
في وسط الزحمة دي، كان رأفت منصور واقف لابس بدلة شيك جداً، ورافع راسه لفوق بفخر، وجنبه بنته بسنت اللي كانت متقندلة بآخر صيحة وفستان سواريه غالي، وبتوزع ابتسامات على كل الموجودين كأنها صاحبة المكان. رأفت كان بيبص حواليه وبيقول لبسنت بصوت واطي
المناقصة بتاعة المشروع الجديد لو رِسيت علينا من خلال مجموعة الألفي بكره.. عيلتنا هتروح في حتة تانية خالص يا بسنت، والشركات هتقف على رجليها من جديد.
بسنت ضحكت بثقة ولطفت الجو
متقلقش يا بابا.. أنا مرتبة كل حاجة، وأكرم بيه الألفي
في نفس اللحظة، على السلم الداخلي للقصر، كان أكرم الألفي نازل بكاريزمته الطاغية وبدلته السودا السموكنج اللي تخطف العين. بس المفاجأة اللي لجمت الكل، وشلّت حركة رأفت وبسنت ومخلتهمش عارفين ينطقوا.. إن أكرم مكنش نازل لوحده.
كانت نازلة جنبه إلهام!
إلهام كانت متبدلة تماماً.. لابسة فستان أسود سمبل بس قمة في الفخامة، رافعة شعرها لفوق، وملامحها فيها هدوء وثقة مرعبة.. كأنها ملكة متوجة، وفي إيدها اليمين يوسف وفي إيدها الشمال فريدة، والولد والبنت لابسين لبس سهرات لايق على مامتهم.
بسنت عينيها طلعت لبره، والتحية وقفت في زورها، وشها جاب ألوان وقالت برعب وهسس
إلهام؟! بابا.. بص.. مش دي إلهام؟! إيه اللي جاب الممسوخة دي هنا؟! وإزاي نازلة مع أكرم الألفي وماسكة العيال؟!
رأفت منصور جسمه كله ساب، والشراب اللي في إيده كان هيقع.. ريقه نشف وبقى بيبص لإلهام كأنه شايف شبح من الماضي رجع يطاردة.
أكرم نزل ووقف في نص الصالة الكبيرة، والمزيكا وقفت فجأة، والأنوار كلها اتسلطت عليه وعلى إلهام والعيال. أكرم مسك المايك وبص للحضور وابتسم ابتسامته الباردة وقال
أهلاً بيكم في قصر الألفي.. الحفلة دي السنة دي ليها طعم تاني خالص.. لأننا مش بنحتفل ببيزنس جديد بس، لأ.. إحنا بنحتفل بروجوع الروح للقصر ده. أحب أعرفكم.. إلهام منصور.. مراتي، وأم ولادي يوسف وفريدة اللي كنتم فاكرين إن أمهم مش موجودة.
الهمهمات والوشوشة مالت المكان.. الناس بقت تبص لبعضها بذهول، وبسنت حست إن ركبها مش شايلاها، وطلعت تجري من وسط الناس وقفت قدام السلم وقالت بصوت عالي ومهزوز
مرتك؟! أم ولادك إزاي يا أكرم بيه؟! الست دي نصابة! دي وحدة ملوش أصل، وأبوها طاردها من خمس سنين عشان عارها! أنت مش عارف دي عملت إيه؟! دي جاية تتبلى عليك وتسرق فلوسك!
رأفت منصور جه جري ورا بنته وهو بيعرّق وبيمسح وشه بمنديل وقال بلجلجة
أكرم بيه.. بنتي عندها حق.. البنت دي ملناش علاقة بيها، دي هربانة ومقاطعينها.. مستحيل تكون دي أم ولادك!
إلهام بصتلهم من فوق السلم.. ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت تليفونها وضغطت على زرار واحد.
فجأة.. الشاشات العرض الكبيرة اللي ملوية في الجنينة وجوه القصر، واللي كانت بتعرض صور مشاريع أكرم الألفي.. اتطفت! وظهر عليها لوجو نسمة حرية باللون الأحمر الدموي.
وبعدها بثواني.. اشتغل فويس نوت بصوت واضح ونقي جداً هز جدران القصر.. كان صوت بسنت وهي بتتفق مع الممرضة في الصعيد
ماتقوليلهاش إنهم عايشين.. خدي العيال واكتبي في الدفتر إنهم ماتوا، والفلوس اللي اتفقت معاكي عليها هتحولك على حسابك أول ما الورق المزور يوصل لإيد أكرم الألفي والعيال يبقوا عنده.. إلهام لازم تطلع من الليلة دي مكسورة وملهاش قومة.
القصر كله ساد فيه صمت قاتل.. صمت لدرجة إن صوت الهوا كان مسموع. كل عيون رجال الأعمال والمجتمع بقت تبص لرأفت وبسنت بنظرات
بسنت شلت تماماً ومبقتش قادرة تنطق، ورأفت جاله هبوط وقعد على ركبه في الأرض وهو بيقول تزوير.. ده تزوير وصوت متفبرك بالذكاء الاصطناعي!
إلهام نزلت السلم خطوة بخطوة لحد ما وقفت قدام أختها وبصت في عينيها بكل قوة وقالت
ده مش ذكاء اصطناعي يا بسنت هانم.. ده السيستم البنكي بتاعك اللي جيبت منه التحويلات، وده تليفون الممرضة القديم اللي أنتِ نسيتي إن الداتا عليه متمسحش.. أنا نسمة حرية، الهاكر اللي كنتِ بتسمعي عنها في الأخبار وبتتمني تشوفيها.. تمن عمري وقهرتي ودموعي على ولادي، هتدفعوه من أول دقيقة لآخر دقيقة.. ومن بكره الصبح، شركات منصور للإنشاءات مش هيبقى ليها وجود في السوق، لأن كل ملفات الفساد والرشاوى بتاعتكم بقت على مكتب النائب العام حلاً.
في نفس اللحظة، دخلت قوات الشرطة من باب القصر، وأكرم شاورلهم ببرود وقال المتهمين عندكوا يا فندم.. تزوير، خطف، تجارة بشر، ومحاولة ابتزاز.
الكلابشات اتقفلت في إيد بسنت ورأفت منصور وهم بيصرخوا ويستنجدوا، والناس بتبعد عنهم بقرف، لحد ما خرجوا بره القصر تماماً.
أكرم لف وبص لإلهام، لقاها واقفة ودموعها نازلة، بس دموع راحة.. دموع حق رجع بعد خمس سنين قهر. قرب منها، واخد يوسف وفريدة في وبصلها وقال بصوت دافي مسمعوش حد غيرها
الحساب القديم وقفلناه يا إلهام.. والظالم أخد جزاؤه. دلوقتي مفيش غيري أنا وأنتِ والعيال.. وبصفتي أكرم الألفي، أنا مبرجعش في كلمتي.. القصر ده قصرك، والعيال دول مش هيعيشوا بعيد عن أمهم.. تفتكري هتقدري تكملي اللعبة دي معايا، ولا نسمة حرية ليها رأي تاني؟
إلهام مسحت دموعها وبصت لولادها اللي ماسكين فيها، وبعدين بصت لأكرم بعيون قوية وقالت
نسمة حرية مبتهربش يا أكرم بيه.. وإذا كنت أنت حوت السوق، فأنا اللي بتمشي السيستم كله بصباع واحد.. خلينا نشوف مين فينا اللي هيغير التاني.
أكرم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها تحدي وإعجاب حقيقي مكنش قادر يخبيه. مد إيده ليها وقال بنبرة هادية بس واثقة
اتفقنا.. خلينا نشوف مين نفسُه أطول. بس لحد ما ده يحصل، الحفلة دي معمولة عشاننا، والناس دي كلها مستنية تشوف حيتان السوق وهما بيحطوا إيدهم في إيد بعض.
إلهام بصت لإيده ثواني، وبعدين حطت إيدها في إيدُه بكل كبرياء. النظرة اللي في عينيها مكنتش نظرة واحدة مستسلمة لشروطُه، لأ.. دي كانت نظرة شريك داخل جولة جديدة وهو عارف إنه معاه الورق الكسبان.
الناس حواليهم بدأت تصفق، والمزيكا رجعت تشتعل في المكان تاني، والكل بدأ يقرب عشان يبارك ل أكرم الألفي على المدام الجديدة وعلى كشف المؤامرة اللي هزت الوسط كله. طول الليل، إلهام كانت واقفة زي الوتد، بتتكلم بكل لباكة وذكاء، ومبهرتش بأي حد من الشخصيات المهمة اللي بتسلم عليها.. بالعكس، كانت حاسة إنها أقوى منهم كلهم، لأنها ببساطة قادرة بضغطة زرار واحدة تقعد أي حد فيهم في بيته.
بعد ما الحفلة خلصت والناس مشيت، والقصر رجع لهدوئه المرعب، إلهام طلعت مع العيال أوضتهم.
فريدة بصت ل إلهام بعيون واسعة وقالتلها
ماما.. أنتِ مش هتمشي وتسيبينا تاني صح؟ بابا قالنا إنك كنتِ مسافرة في مكان بعيد واديكي رجعتي.
إلهام قلبها وجعها، بس اتماسك وبواست راسها
عمرى ما هسيبكم تاني يا قلب ماما.. أنا هفضل هنا معاكم علطول، ومحدش في الدنيا يقدر يبعدني عنكم بعد النهاردة.
طمنتهم لحد ما ناموا في السرير، وغطتهم بحنان وهي حاسة بسلام داخلي ملقتهوش من خمس سنين. خرجت من الأوضة بالراحة وقفلت الباب، لقت أكرم واقف في الطرقة المظلمة، ساند ضهره على الحيطة ومربع إيديه ومستنيها.
أكرم بص لها وقال بصوت واطي
ناموا؟
إلهام هزت راسها آه.. ناموا.
أكرم قرب منها خطوتين وقال
أنا أمرت المحامي بتاعي يجهز ورق رسمي.. هينقلك نص أملاكي الشخصية باسمك بكره الصبح.. مش عشان بشتريكِ، أنا عارف إن الفلوس متهِمكيش.. بس عشان تضمني إن ولادك أمنين معاكِ، وإنِك مش مجرد ضيفة في القصر ده.. أنتِ صاحبة مكان.
إلهام بصتله بثبات وقالت
خطوة ذكية منك يا أكرم بيه.. بس أنا مش محتاجة أملاكك عشان أحمي ولادي. أنا وافقت أقعد هنا عشانهم هما بس.. وعشان لسه فيه حسابات تانية مخلصتش. الممرضة اللي في الصعيد، والدكتور اللي زور الشهادات.. دول مش هيرتاحوا في بيوتهم، وأنا بنفسي اللي هجيبهم.
أكرم هز راسه بالموافقة
وأنا معاكِ في دي.. رجالتنا هيجيبوهم قبل الفجر يكونوا تحت رجلك.
إلهام سابته ومشت ناحية أوضتها الجديدة، وقبل ما تفتح الباب، لفت وبصتله وقالت بنبرة فيها غموض
تصبح على خير يا أكرم بيه.. وجهز نفسك، لأن من بكره.. السيستم اللي أنت متعود تدير بيه حياتك وشغلك، هيتغير تماماً بوجود نسمة حرية في القصر.
أكرم فضل واقف مكانه وباصص لأثرها وهو بيضحك لأول مرة من قلبه.. حس إن حياته اللي كانت خط مستقيم ومملة رغم النفوذ والفلوس، دخلت فيها كتلة نار هتقلبها رأسًا على عقب، وبقى متشوق جداً للي جاي.
الشمس طلعت تاني يوم، ونورها دخل من الشبابيك الإزاز الكبيرة بتاعة القصر. إلهام صحيت وفجأة حست بإن الهوا بقاله طعم تاني.. لأول مرة من خمس سنين تصحى من غير غصة في قلبها، ومن غير ما تسمع صوت المطر في خيالها وهي بتعيط.
قامت، لبست لبس كاجوال مريح، وخرجت راحت على أوضة يوسف وفريدة. لقتهم صاحيين وبيضحكوا مع الشغالة اللي كانت بتلبسهم. أول ما شافوا إلهام، جريوا عليها . فريدة قعدت تبوس في وشها ويوسف ماسك إيدها جامد كأنه بيتأكد إنها مش حلم وهيختفي مع الشمس.
ماما! يلا ننزل الجنينة نلعب! فريدة قالتها وهي بتتنطط.
إلهام ابتسمت من قلبها من عيوني يا قلب ماما، يلا بينا.
وهما نازلين على السلم، لقوا أكرم قاعد على ترابيزة السفرة الكبيرة، قدامه فنجان القهوة بتاعه واللابتوب مفتوح، ووشه ملوش ملامح.. جاد وزي الصخر كالعادة. أول ما سمع صوت الضحك، رفع عينه وبص لهم. نظرة عينه طولت على إلهام باللبس الكاجوال، وحس إن القصر اللي كان دايماً ضلمة وناشف، فجأة بقا فيه
أكرم قفل اللابتوب وقال بنبرة هادية صباح الخير.. افطروا