قالولها ولادها ماتو حكايات صافي هاني
الأول وبعدين اخرجوا الجنينة.
يوسف قعد جنبه وقال بجدية شبه جدية أبوه بالظبط بابا، ماما هتفضل قاعدة معانا هنا علطول صح؟ مش هتمشي تاني؟
أكرم بص لإلهام اللي كانت واقفة ومربعة إيدها ومستنية رده، فقال ليوسف وهو بيملس على شعره أنا ومامتكم اتفقنا إن مفيش حد هيبعد عن التاني تاني.. المكان هنا مكانها.
بعد الفطار، العيال جريوا على الجنينة يلعبوا بالكورة تحت حراسة مشددة بس من بعيد. إلهام فضلت واقفة في التراس بتبص عليهم، وأكرم قرب وقف جنبها وسند على السور وقال
المحامي جهز الورق زي ما قولتلك، ونص أسهم شركة المقاولات بقت باسمك حلاً.. والتوكيل العام جاهز للإمضاء.
إلهام ملتفتتش ليه وفضلت باصة للعيال وقالت قولتلك مش فارق معايا.. بس طالما أصرّيت، هعتبرها دفعة تحت الحساب عن السنين اللي عشتها في قهر.
سكتت لحظة وبعدين لفت وبصتله بعيون حادة الممرضة والدكتور.. حصل معاهم إيه؟
أكرم ملامحه قسيت تماماً وأخد نفس عميق رجالتنا جابوا الممرضة من الصعيد الفجر، وهي دلوقتي في مخزن تبعنا على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.. الدكتور حس بالخطر وكان بيحجز تذكرة طيران ل دبي، بس اتمسك في المطار ودلوقتي محبوس على ذمة التحقيق بتهمة تزوير شهادات الوفاة.. تحبي تروحي تشوفي الممرضة بنفسك؟
إلهام عينيها لمعت بشر طبعاً هروح.. دي الست اللي غمت عيني وقالتلي ولادك ماتوا وسابتني أموت بالحيا.. لازم تسمع صوتي وهي في الموقف ده.
أكرم شاور ل رئيس الحرس وقالها العربية جاهزة.. والعيال هيفضلوا هنا تحت حراسة مش هتحرك خطوة من جنبهم.. متقلقيش.
إلهام ركبت العربية الجيب السودا مع أكرم، وطول الطريق مكنش فيه كلام بينهم، الصمت كان مليان غضب وتخطيط للي جاي. بعد حوالي ساعة، العربية دخلت منطقة مقطوعة ووقفت قدام مخزن قديم. الحراس فتحوا الباب، وجوه.. كانت الممرضة سعاد قاعدة على كرسي، مربوطة وبتترعش من الخوف والعيّط، وشها كان أصفر زي الليمونة وأول ما شافت أكرم صرخت
يا باشا والله مالي ذنب! أنا غلبانة وبنفذ أوامر.. بسنت هانم هي اللي هددتني بلقمت عيشي وأكل ولادي!
إلهام قربت منها بخطوات بطيئة ومنتظمة.. صوت كعب جزمتها في المكان كان بيعمل صدى صوت يرعب. وقفت قدامها بالظبط، وطت لمستواها، وقلعت النضارة الشمس وقالتلها بصوت واطي ومزلزل
فاكراني يا سعاد؟
الممرضة بحلقت في وش إلهام، وفجأة صرخت ورجعت لورا بالكرسي كأنها شافت شبح إلهام؟! أنتِ.. أنتِ عايشة؟! لاء.. لاء مستحيل!
إلهام ضربت الكرسي برجلها وقالت بفحيح أنا عايشة.. وراجعة أخد تمن كل دمعة نزلت مني وكل ليلة قهر عشتها وأنا فاكرة إن ولادي في التراب! قوليلي.. بسنت دفعتلك كام عشان تسرقي قلبي؟!
الممرضة كانت بتترعش ودموعها نازلة خمسين ألف جنيه! والله العظيم خمسين ألف جنيه بس! قالتلي خدي العيال ووديهم المستشفى الاستثماري في القاهرة وهناك فيه دكتور مستنيهم، وقولي لإلهام إنهم ماتوا في الولادة بسبب العاصفة ونقص الأكسجين.. أنا كنت محتاجة الفلوس عشان عملية جوزي يا هانم.. ابوس
إلهام وقفت بطولها وبصت لأكرم وقالت بقرف خمسين ألف جنيه.. تمن عمري وضنايا كان خمسين ألف جنيه يا أكرم بيه!
أكرم قرب من الممرضة وبص لها بنظرة موت وقال للحراس سلموها للشرطة مع التسجيلات والاعترافات دي.. الليلة دي هتتجمع مع بسنت ورأفت منصور في نفس السجن.
إلهام خرجت من المخزن وهي حاسة إن فيه جبل انزاح من على صدرها، بس لسه الحساب مخلصش. ركبت العربية مع أكرم، وهو بيبص لها قال
دلوقتي.. الكلاب اللي ظلموكي بقوا ورا القضبان.. والبيزنس بتاع رأفت منصور انهار تماماً وبقى ملكك.. تفتكري حكايتنا إحنا هتبدأ إزاي؟
إلهام بصت من شباك العربية وابتسمت ابتسامة غموض وقالت حكايتنا بدأت فعلاً يا أكرم.. بس من النهاردة، القوانين هتبقى قوانيني أنا.. والسيستم اللي هيمشي القصر والشركات، هيبقى سيستم نسمة حرية.. جهز نفسك للجولة الجديدة.
أكرم بص لها وهو سايق، وابتسم ابتسامته الباردة اللي وراها مية معنى ومعنى، وقال بصوت واطي وفيه نبرة تحدي
أنا عمري ما خسرت جولة يا إلهام.. وبحب اللعب مع الكبار أوي. ورينا السيستم بتاعك هيعمل إيه مع أكرم الألفي.
العربية رجعت القصر، وأول ما نزلت، إلهام مشيت بخطوات سريعة وواثقة على المكتب. أكرم دخل وراها ولِقاها قعدت على الكرسي الكبير بتاعه، وطلعت اللابتوب الشخصي بتاعها ووصلته بشاشات المكتب كلها. صوابعها كانت بتحرك على الكيبورد بسرعة مش طبيعية، وعينيها مركزة في الأكواد اللي بتجري قدامها.
أكرم ربع إيديه وسند على المكتب وقال بنبرة إعجاب بدأنا الشغل عل طول؟ مش هترتاحي شوية؟
إلهام من غير ما ترفع عينها من على الشاشة ردت الراحة دي للناس الضعيفة يا أكرم بيه. أنا دلوقتي بآمن مكاني ومكان ولادي. أنا دخلت على سيستم قصر الألفي كله، غيرت الشفرات، وعملت جدار حماية Firewall مستحيل أي هكر في العالم يخترقه.. من النهاردة، حركات الحرس، الكاميرات، بوابات القصر، وحتى تليفوناتك الشخصية.. كل حاجة بتعدي على شاشتي أنا الأول.
أكرم رفع حاجبه وقرب خطوة أنتِ كده بتلغي وجودي في بيتي يا نسمة.
إلهام رفعت عينها وبصتله بثقة أنا بآمن البيت اللي ولادي عايشين فيه.. عيلتك والناس اللي حواليك تعابين، وإذا كنت أنت بتثق في رجالتك، أنا مباثقش غير في دماغي.
وفجأة الشاشة الكبيرة عرضت ملفات تانية خالص، مكتوب عليها مجموعة الألفي للاستثمار.
أكرم ملامحه اتغيرت أنتِ دخلتِ على سيرفرات الشركة عندي؟
إلهام ابتسمت ابتسامة خفيفة دي قرصة ودن صغيرة عشان تعرف أنا أقدر أعمل إيه. أنا لقيت ثغرة في السيستم المالي بتاعك كانت ممكن تضيع منك ملايين الأسبوع الجاي.. قفلتها، ونقلت كل البيانات المشفرة لسيرفر خاص بيا.. يعني من الآخر، أمان مجموعتك الاقتصادية بقا في إيدي.
أكرم سكت لثواني، حس إن البنت المكسورة اللي كانت في الصعيد من كام يوم، بقت بتمشي خيوط اللعبة كلها بمزاجها. قعد على الكرسي اللي قدامها، وبص في عينيها وقال بجدية
أنا معجب بدماغك.. ومش هكابر. بس الشراكة دي لازم يكون ليها إطار رسمي
إلهام قفلت اللابتوب بتاعها ببطء، وقامت وقفت، قربت منه لحد ما بقت المسافة بينهم قريبة جداً، وبصت في عينيه وقالت بنبرة هزت كيانه
أكرم.. أنا قلبي مات اليوم اللي قالولي فيه إن ولادي ماتوا.. واللي صحاني ورجعني الدنيا هو الغل والرغبة في الانتقام. أنت راجل قوي، وأنا بقيت أقوى.. الجواز ده هيبقى حماية ل يوسف وفريدة، وشراكة بيزنس تهز البلد.. أما المشاعر، فدي حاجة مبتتكتبش في عقود.. دي بتِتكسب. ورينا هتعرف تكسبها ولا لأ.
سابته ومشيت برقي وهدوء ناحية الباب، وأول ما فتحته، لقت يوسف وفريدة واقفين بره وبيضحكوا وفي إيديهم قطة صغيرة جيبينها من الجنينة.
فريدة جريت عليها ماما! بصي لقينا إيه! بابا قالنا لو ماما وافقت هنخليها تعيش معانا في الأوضة!
إلهام وطت وأخدتهم في ، وضحكتها المرة دي كانت حقيقية وطالعة من قلبها.. بصت لأكرم اللي كان واقف وراها وباصص لهم بابتسامة دافية لأول مرة تظهر على وشه.
إلهام شالت فريدة ومسكت إيد يوسف وقالت مواقفة طبعاً يا روح ماما.. يلا بينا نطلع نجهزلها مكان.
وهي طالعة، إلهام عرفت إن الحرب القديمة خلصت، والكلاب اللي ظلموها بقوا في السجن.. بس المشوار الجديد لسه بيبدأ.. مشوار إلهام منصور وهي بتعيد بناء حياتها، مش كضحية، ولا ك هكر مستخبي ورا شاشة.. لكن ك أم، وشريكة لأقوى راجل في البلد، وملكة متوجة في قصر الألفي.
العيال طلعوا يجروا على فوق وهما فرحانين بالقطة، وإلهام طلعت وراهم وعينها عليهم. أكرم فضل واقف في مكانه، حاطط إيده في جيبه وباصص للفراغ اللي سابته وراها.. حس لأول مرة إن القصر مابقاش مجرد حيطان ميتة، المكان بقا فيه دفا وصوت ضحك حقيقي مسمعوش من سنين.
على المغربية، إلهام كانت قاعدة في الجنينة الكبيرة، الهوا كان يرد الروح والهدوء مغطي المكان. العيال كانوا بيلعبوا بعيد مع الحرس، وهي كانت فاتحة اللابتوب بتاعها وبتتابع أخبار مجموعة منصور للإنشاءات.. أسهم الشركة كانت بتنهار في البورصة زي ورق الشجر في الخريف، والجرائد والمواقع مكنش وراها غير فضيحة رأفت منصور وبنته بسنت.
أكرم قرب منها خطوة بخطوة، وكان شال البدلة الرسمية ولابس قميص أبيض سمبل، وفي إيده كاسين عصير. حط كاس قدامها وقعد على الكرسي اللي جنبها
الشركة بتاعت أبوكي أعلنت إفلاسها رسمياً من نص ساعة.. والبنوك حجزت على كل أرصدتهم.
إلهام من غير ما تبص له، قفلت اللابتوب وأخدت كاس العصير وقالت ببرود
ده العدل يا أكرم.. هما سرقوا مني أمومتي وخمس سنين من عمري، وأنا أخدت منهم كل حاجة يملكوها.. النور، الفلوس، والحرية.
أكرم بص لها طول في النظرة وقال
والممرضة سعاد والدكتور.. اتحولوا للجنايات بتهمة التزوير والخطف والتجارة بالبشر.. يعني مش هيشوفوا النور تاني.
سكت لحظة وبعدين كمل بصوت أهدى المحامي كلمني.. ورق الجواز الرسمي خلص، وإحنا من النهاردة وبشكل قانوني قدام الدولة وقدام الناس.. زوج وزوجة.
إلهام لفت وبصت له، عينيها الرمادي كانت صافية بس فيها نظرة غموض تخوف
مبروك يا أكرم بيه.. دخلت عِش الدبابير برجليك.
أكرم ضحك رنة ضحكته الرجولية الواثقة وقرب وشه منها
أنا اللي بنيت عِش الدبابير ده يا إلهام.. ومستعد لأي حاجة. بس قوليلي.. خطوتك الجاية إيه؟ نسمة حرية ناوية على إيه بعد ما صفت حساباتها القديمة؟
إلهام وقفت، ساندت بظهرها على سور التراس وبصت للسمة اللي بدأت تضلم والنجوم تظهر فيها وقالت
خطوتي الجاية هي العيال.. يوسف وفريدة لازم يعيشوا أحسن عيشة، ومستحيل هسمح لأي مخلوق يهز شعرة منهم.. وشغلي ك هاكر مش هيبطل، بس من النهاردة هيبقا لحسابي ولحساب تأمين عيلتنا الجديدة.. أنا وأنت والعيال.
أكرم وقف جنبها، وبص في نفس الاتجاه، ولأول مرة يمد إيده ويحطها على كتفها بحنان حقيقي من غير أي مصلحة أو بيزنس.. إلهام مابعدتش، سابت إيدُه على كتفها وحست لأول مرة إنها مش لوحدها في الدنيا دي، وإن فيه ضهر بجد سانداه وساندها.
يوسف وفريدة جِريوا عليهم من الجنينة، وكل واحد فيهم مسك في إيد من إيدين أبوه وأمه. يوسف بص لهم وقال ببراءة
ماما.. بابا.. تيجوا ناكل آيس كريم جوه؟
إلهام وأكرم بصوا لبعض، والابتسامة كانت حقيقية على وشوشهم هما الاتنين.. أكرم شال يوسف وإلهام مسكت إيد فريدة، ودخلوا كلهم القصر وقفلوا الباب وراهم.. قفلوا الباب على الماضي بكل قهرُه وظلمُه، وفتحوا صفحة جديدة لقصة بدأت بالخيانة والتزوير، بس هتنتهي بقوة وشراكة وحب ملوش مثيل في قصر الألفي.
العيال دخلوا يجروا على المطبخ يسبقوا بعض على الآيس كريم، وصوت ضحكهم كان مالي الممر الطويل. إلهام وأكرم كانوا ماشيين وراهم بخطوات أهدى، والسكوت اللي بينهم مكنش سكوت اتنين غُرب، كان سكوت اتنين بيفهموا بعض بالعين من غير كلام.
أكرم وقف فجأة قبل ما يدخل المطبخ، وبص لإلهام اللي كانت ملامحها مرتاحة وتحت عينيها مابقاش فيه السواد بتاع قهر السنين، وقالها بصوت هادي وفيه حتة حنية مستخبية
إلهام.. أنا عارف إن السنين اللي فاتت مكنتش سهلة، وعارف إن الدخول في حياتي وباسمي مش حاجة بسيطة.. بس عايزك تتأكدي من حاجة واحدة.
إلهام وقفت وبصتله حاجة إيه يا أكرم؟
أكرم حط إيده في جيبه وبص لولاده من بعيد
أنا يمكن أكون راجل ناشف في الشغل وفي السوق، والكل بيخاف من نفوذي.. بس من ليلتها، من خمس سنين، لما استلمت يوسف وفريدة وأنا فاكر إن أمهم رمتهم وماتت، أنا عيشت ليهم وبس. ودلوقتي بعد ما عرفت الحقيقة.. القصر ده، وبكل اللي فيه، بقا حمايتك وضهرك.. ومفيش مخلوق على وش الأرض هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش.
إلهام اتأثرت بكلامه، حست إن الدرع اللي كانت لابساه طول السنين دي عشان تحمي نفسها بدأ يدوب قدام صدق الراجل ده. ابتسمت ابتسامة سمبل وقالت
وأنا مش متعودة أكون عبء على حد يا أكرم بيه.. أنا ضهر نفسي، بس مش