"مرات أبويا باعتني لوحش عشان تسدد ديونهم... وفي ليلة فرحي كنت فاكرة إني رايحة أموت في قصره المعزول
بسمة شافت بقعة دم غامقة.
أنت مالك؟ إيه اللي تعبك كده؟ سألته وصوتها طالع بالعافية.
ابتسم بمرارة وقال
نفس اللي حصل لإيمان.. بس بالبطيء. عمي فاروق بقاله سنين بيسمني.. الناس فاكرة إني تخنت من كتر الأكل.. بس الحقيقة إن جسمي بيتملي مياه بسبب السم وقلبي بيموت بالتدريج.
بسمة اتسمرت في مكانها
طب ولما أنت عارف كل ده.. اخترتني أنا ليه؟
رجب ساند إيديه الاتنين على العكاز وقال
عشان محتاج حد الكل يستهون بيه.. حد يكون صغير، وذكي، وجواه غضب. عمي مستني أموت عشان يورث القصر والمزارع والشركات والناس الغلابة اللي بتاكل عيش من ورايا. وشريف مستني تطلعي من الحكاية دي أرملة، ووحيدة، ومعاكي ملايين عشان يرجع يضحك عليكي. أنا بس شيلتك من طريقهم.
بسمة حست إن في حاجة جواها انكسرت.. وفي نفس الوقت، فيه نار حماس قادت في قلبها. رجب زق الورق ناحيتها
أنتِ مش هتشاركيني سريري.. أنتِ هتشاركيني حربي. وبكرة، لو عندك شجاعة، هتدخلي ورايا المكتب.
مع أول ضوء للنهار، بسمة ملقعدتش مستنية حد يصحيعا. لبست فستان بسيط كحلي، ولمت شعرها ضفيرة قدام المراية، ومشت في ممرات القصر الساقعة لحد ما وصلت لمكتب رجب.
كان قاعد هناك فعلاً، بيتنفس بصعوبة وراه مكتب ضخم مليان خرايط، ودفاتر حسابات، وتلغرافات، ومستندات
صحيتي بدري رجب قالها.
أنت قولت إنك بتموت بسمة ردت عليه بقوة يبقى غباء مننا لو ضيعنا الصبح.
رجب بص لها كام ثانية.. وبعدين ابتسم لأول مرة من قلبة.
من اليوم ده، بسمة مابقتش البنت اللي اتباعت في الجامع. رجب بدأ يعلمها إزاي تقرأ العقود، وتراجع الحسابات، وتكشف الرشاوى، وتعرف إمضاءات المديرين والمشرفين الشرفاء. حكى لها عن مناجم الطوب ومزارع الفاكهة، وعن العمال الغلابة اللي بيتسرق قوت يومهم، وعن القضاة المرتشين والموظفين اللي بيضحكوا في الوش ويخونوا في الضهر.
بسمة كانت بتتعلم بسرعة.. بسرعة تخوف.
في يوم من الأيام، وهي بتراجع دفتر الحسابات، شاورت بصابعها على سطر وقالت
هنا فيه فلوس ناقصة.
رجب رفع عينه
إزاي؟ وفهميني.
هما كاتبين إن الإنتاج قل بنسبة 30، بس مصاريف النقل والعربيات زادت! ده مستحيل يحصل لو الإنتاج قليل.. يا إما هما بيكذبوا في حجم المحصول والإنتاج، يا إما فيه حد بيبيع المحصول لحسابه من وراك.
وش رجب شد واتغير
المحاسب القانوني بتاعي قعد شهرين عشان يلاحظ دي!
مين اللي ماسك المزرعة دي؟ بسمة سألته.
راجل من طرف عمي فاروق.
بسمة قفلت الدفتر بقوة
يبقى الراجل ده يمشى النهاردة.
ومن هنا بدأت هيبتها. المديرين والمشرفين اللي كانوا بيتريقوا
بقوا يقولوا لها تحت أمرك يا هانم.
ورجب، من على كرسيه، كان بيراقبها وبيرقب نجاحها بفخر ممزوج بحزن.. لأن كل ما هي كانت بتكبر وتتحول ل ست ب 100 راجل، كان هو عمال يطفي وصحته تروح.
كان فيه ليالي رجب مبيعرفش ينام فيها وهو قاعد لأنه بيتخنق ومش قادر ياخد نفسه. بسمة كانت بتفضل سهرانه جنبه، تقرأ له التقارير بصوت واطي، وتديله الأدوية المرة، وتمسح العرق الساقع من على جبينه. بالتدريج، مابقتش شايفة وحش الصعيد خالص.. بقت شايفة راجل عبقري، ساخر، مجروح، ووحيد بشكل يوجع.. راجل الناس عملت منه مسخ عشان يعرفوا يسرقوه وهم مش حاسين بالذنب.
الهجوم جه في يوم من أيام شهر فبراير. بسمة كانت قاعدة في اجتماع مع محامي القصر، وفجأة بيبان الصالون اتفتحت بكل عنف.
دخل فاروق المنياوي عم رجب.. كان راجل طويل، ملامحه جافة، لابس بدلة شيك ومقلمة، وجنبه مراته طنط شهيرة وسمات التعالي على وشها، ووراهم دكتور غريب شايل شنطة جلد سودا.
أنا جاي أشوف ابن أخويا فاروق قال
بسمة وقفت براحة ومن غير خوف
أنت رجلك متدخلش البيت ده.. وممنوع تكون هنا.
فاروق ضحك باستهزاء
هههه.. يا بت متعيشيش الدور وتقولي أنا الهانم. كلنا عارفين أنتِ إيه.. حتة بت أبوكي باعها عشان تدفي سرير راجل بيموت.
الصالون كله سكت.. بسمة حست بالوجعة والمهانة، بس متهزتش ولا رجعت خطوة لورا
خطوة واحدة كمان ناحية السلم.. وقبل ما الليل يليل هكون مخرابة بيتك.
فاروق ابتسم بسخرية
أنتِ؟
بسمة طلعت ظرف من كم فستانها
من 3 أيام بالظبط، أنا اشتريت كل الكمبيالات والديون اللي عليك. أنت مديون ب 200 ألف جنيه لتجار ومستثمرين في القاهرة وإسكندرية. وكمان معايا اعتراف رسمي ومكتوب من مدير مزرعة البركة بيقول فيه إنك أنت اللي كنت بتأمره يسرق المحصول والفلوس طول السنين اللي فاتت.
ضحكة فاروق اختفت تمامًا
أنتِ بتكذبي!
وريني بقى لو كنت بكذب.
الدكتور الغريب اللي معاهم رجع خطوة لورا بخوف. بسمة بصت على الشنطة اللي في إيده ولمحت اسم مكتوب عليها د. مدحت علام.
علام... نفس اسم الدكتور اللي مضى على شهادة وفاة إيمان أخت رجب!
فجأة، كل خيوط اللعبة وضحت في دماغها زي طعنة السكينة
أنت