صاحبي الاول
وأصله عشان سراب، يستاهل يتداس بالجزم. ركبت العربية وإيدي بترتعش لدرجة إني معرفتش أحط المفتاح في الكونتاكت من أول مرة.. دورت ومشيت، سيبت بلدهم ورايا والشمس بتبدأ تشقشق، بس الدنيا كلها في عيني كانت سواد مالوش آخر.
الطريق راجع للقاهرة كان طويل تليفوني رن تاني، بصيت في الشاشة لقيت رقم المحامي بتاع مراتي.. أم ولادي.. الرنة دي كانت مسمار أخير في نعش حياتي؛ من ورايا بيت بيطالب بحق ولاده وبيتهد، ومن قدامي عصابة رابطة رقبتي بوصلات ومريضة محتاجة ألوفات عشان متقتلش، وأنا في النص.. غرقان في قاع بير ماليش منه مخرج.
ركنت العربية على يمين الطريق الزراعي بعد ما سبت بلدهم بكام كيلو. طفيت الموتور وسندت راسي على الدريكسيون، وصوت تزييق التليفون في التابلوه مش راضي يقف. بصيت لرقم محامي مراتي وهو بينور ويطفي.. الرنة فصلت، وبعد ثواني معدودة جالي إشعار رسالة منه
أستاذ فلان، المدام وكلتني رسمياً لرفع دعوى طلاق للضرر وحبس لنفقة الصغار، ومطالب بحقوقها الشرعية بالكامل وقائمة المنقولات.. ياريت نتواصل للحل الودي تجنباً للمحاضر والنيابة.
الرسالة كانت كفيلة تلجم أي ذرة تفكير باقية في نفوخي. رفعت راسي وبصيت لنفسي في مراية العربية؛ وشي شاحب، عيني مدممة، وذقني نابتة زي المتشردين. في ظرف أربع وعشرين ساعة، اتحولت من زوج مستقر وأب محترم، لواحد هربان من أهل مراته التانية ومهدد بالحبس، ومطرود من بيته ومراته الأولى بتجره في المحاكم.
مسكت التليفون وطلبت رقم صاحبي تاني، يمكن.. يمكن لما نكون لوحدنا من غير حماه يحس بذنب، أو يفتكر عيش وملح سنين. التليفون رن مرتين وبعدين إداني مشغول، جربت تاني لقيته قفل الخط وعملي بلوك!
ضحكت بهستيريا وأنا بضرب الدريكسيون بقبضة إيدي لحد ما جلدي اتجرح
يا رخيص.. بعتني برخيص يا ابن الإيه!
فتحت التابلوه وطلعت منه الكارثة التالتة روشتة المستشفى، المكتوب فيها بخط الإيد اسم الحقن المستوردة. اتصلت على كذا صيدلية كبيرة وأنا سايق راجع القاهرة، الإجابة كانت واحدة في كل مرة زي شريط متسجل
مش موجودة يا فندم، الصنف ده ناقص من شهور ومش بينزل غير جدول ومستورد، لو لقيته في السوق السودا الأمبول مش هيقل عن ستة أو سبعة آلاف، ومحتاجة أمبولين في الأسبوع.
أربعة عشر ألف في الأسبوع؟! يعني أكتر من مرتب شهر كامل عشان أهدي جنون واحدة أهلها نصبوا عليا بيها!
دخلت القاهرة والشوارع كانت زحمة بحركة الناس اللي رايحة شغلها ومدارسها.. كل العربيات اللي جنبي فيها ناس مروحة أو رايحة تاكل لقمة عيشها في سلام، وأنا الوحيد اللي حاسس إن الحبل مشدود حوالين رقبتي على الآخر.
وصلت قدام مستشفى الأمراض النفسية اللي محجوزة فيها، نزلت من العربية ورجلي تقيلة زي الرصاص. كنت محتاج أواجه الدكتور، محتاج أعرف مخرجي القانوني من الورطة دي إيه قبل ما أعلن إفلاسي أو أتسجن.
دخلت الاستقبال، ريحة المعقمات الباردة وصوت البيبان الحديد اللي بتتقفل برهبتها فكروني بحجم المستنقع. سألت عن دكتور النبطشية اللي استلمها الفجر، قالولي إنه في مكتبه.
خبطت ودخلت، رفع عينه من الورق وبصلي من فوق النظارة
خير يا أستاذ؟ دبرت علاج المدام ولا جاي تمضي إقرار الحجز على نفقتك الخاصة؟
قعدت على الكرسي قدامه، ورميت المفاتيح على المكتب بإيد مهدودة
يا دكتور.. أنا اتنصب عليا، أنا معرفش البنت دي غير من شهرين، وأهلها غشوني ولبسوني وصولات أمانة، ومقدرش على مصاريف الحقن دي ولا مليم! قولي بصراحة.. قانوناً، إزاي أخرج نفسي من الحكاية دي قبل ما توديني في داهية؟
الدكتور قلع النظارة وحطها على المكتب بهدوء، بصلي بملامح باردة مفيهاش أي دهشة؛ واضح إنه شاف السيناريو ده مية مرة قبل كده في نفس الأوضة.
بص يا أستاذ.. المشاعر والشكاوى دي مكانها برة، هنا إحنا بنتعامل بورق وقانون.
شاور بصباعه على الملف اللي قدامه وكمل
أولاً المريضة حالياً تحت تأثير مهدئات قوية بتكفيها ٢٤ ساعة بس، بعد كدة يا توفر علاجها الخاص، يا تترحل لمصحة حكومية بقرار من النيابة العامة.. ومفيش مصحة حكومية هتقبلها إلا بتقرير طبي شرعي ومسؤولية قانونية من ولي أمرها أو جوزها.
بلعت ريقي وسألته بلهفة طب وأهلها؟ هما اللي سابوها وهربوا، أرميها عليهم!
قانوناً، إنت جوزها والمسؤول الأول عنها قدام المستشفى من ساعة ما مضيت على إقرار الدخول الصبح.. لو عايز تخرج من المسؤولية الجنائية دي، قدامك سكة واحدة ملهاش تاني تطلع فوراً على قسم الشرطة، تفتح محضر إثبات حالة بغش وتدليس في عقد الزواج، وتقدم تقارير حجزها القديمة اللي هنا، وتثبت إنها كانت بتتعالج قبل ما تتجوزك وإن أهلها خفوا عنك مرضها العقلي.
سكت الدكتور لثانية وبصلي بنظرة ذات مغزى
لكن خليك واعي.. الخطوة دي معناها إنك هتعلن الحرب رسمي على أهلها، والمحضر ده هيخلي النيابة تتدخل، ووقتها لو هما معاهم عليك وصولات أمانة زي ما بتقول، هيحركوها في نفس اللحظة وهتبقى قضية قدام قضية.. يعني سباق مين يكسر التاني الأول في المحاكم.
قمت من على الكرسي وأنا حاسس إن دماغي هتنفجر من الحسبة.. سكة النيابة والمحاضر هتدخلني في نفق مظلم ومصاريف محامين وتهديد بالحبس بسبب الوصلات، وسكة السكوت معناها إني هفضل أنزف فلوس في علاج مش هقدر عليه لبنت ممكن تقتلني في أي لحظة، وفوق ده كله، بيتي الأصلي وأم ولادي على بعد ساعات من إنها ترفع عليا قضايا نفقة وتبهدلني!
خرجت من المستشفى ووقفت في الشارع تحت الشمس الحارقة، بصيت في تليفوني.. لقيت رسايل من البنك بتفكرني بالقسط اللي عليا، ورسالة تانية من محامي مراتي محدد ميعاد لجلسة ودية بكرة الصبح كفرصة أخيرة قبل ما ينزل المحاضر.
عرفت إن مفيش وقت للتردد، وإن اللف والدوران هو اللي وصلني لهنا. مسكت التليفون ورنيت على محامي مراتي.. صوتي كان ناشف ومفيش فيه ذرة من الضعف اللي كان فيا الصبح
ألو.. أستاذ حازم؟ أنا موافق على كل طلبات أم العيال.. بس محتاجك تقابلني الليلة دي بالذات، مش عشان نتفاوض في حقوقها، عشان أنا هسلمك ملف الكارثة كله، وإنت اللي هترفعلي قضية الغش والتدليس ضد النصابين دول.. ماليش ضهر قانوني يقف قدام وصولات الأمانة غيرك، ولو أنا اتسجنت، مفيش مليم هيوصل لولادي.
الخط سكت من الناحية التانية لثواني، حسيت فيها بنبضات قلبي بتدق في وداني.. وبعدين صوت المحامي طلع، هادي ومحسوب بالمللي
هستناك في مكتبي الساعة تمانية بالدقيقة، ومعاك كل ورقة تثبت كلامك؛ الروشتة، أرقام تليفوناتهم، وتاريخ دخولها المستشفى القديم. بس خليك عارف.. أنا وكيل أم ولادك الأول، وكل كلمة هتقولها عندي هتبقى بعلمها وتحت نظرها.
موافق.. على كل اللي تقوله موافق.
قفلت الخط وأنا بتنفس بصعوبة، كأني رميت نفسي من فوق جبل وبستنى أشوف هقع على إيه.
الساعات اللي فضلت لحد ميعاد المكتب كانت أطول ساعات عدت عليا في حياتي؛ قاعد في العربية راكن على جنب في شارع هادي، بشرب سجاير ورا بعض، وبسترجع كل ثانية اليوم اللي صاحبي قعد فيه ينفخ
في وداني ويقولي الراجل ميعيبوش غير جيبه، عيشلك يومين بدل الروتين اللي إنت فيه.. ويوم ما دخلت بيتهم وشوفتها قاعدة بتبتسم في خجل مصطنع، وعينيها اللي افتكرتها براءة وطلعت غياب كامل عن الوعي بفضل المهدئات اللي كانوا داحشينها في بطنها عشان تعدي الليلة وتتلزق في رقبتي.
الساعة بقت تمانية إلا خمسة، طلعت عمارة المحامي في الدقي. رجلية كانت متبنجة وأنا طالع على السلم، دخلت المكتب والسكرتيرة دخلتني فوراً.
كان قاعد وراه مكتب خشب كبير، راجل في
الخمسينات وشه صارم، ونظارته مدلدلة على طرف مناخيره. شاورلي على الكرسي من غير حتى ما يمد إيده يسلم، وقبل ما أنطق بحرف، الباب الجانبي للمكتب اتفتح.. ودخلت هي!
مراتي.. أم ولادي.
لابسة طرحتها السودا، وشها مهدود وحوالين عينيها هالات سودا باين منها قهر الليل كله، بس واقفتها كانت مصلوبة، مفيهاش ذرة انكسار قدامي. قعدت على الكرسي اللي على يميني، بعيد عني كأني مش موجود في الأوضة أصلاً، عينيها مثبتة على المحامي.
أستاذة منى فضلت تحضر بنفسها عشان الكلام يبقى على بياض قدام الكل، المحامي هو اللي اتكلم وهو بيفتح دوسيه فاضي، هات اللي عندك يا أستاذ.. من طقطق لسلامو عليكم.
طلعت من جيبي التقرير الطبي، وروشتة الحقن، وورقة صغيرة كنت كاتب فيها كل مليم دفعته من يوم ما شوفت البنت لحد اللحظة دي، وحطيتهم على المكتب بإيد بتترعش. حكيت كل حاجة بالتفصيل.. من أول زن صاحبي، لكتب الكتاب، للوصولات اللي مضيتها على بياض عشان أطمن قلب أبوها، لليلة الرعب والسكينة، ومواجهة الفجر مع أهلها وتهديدهم ليا في وسط بلدهم.
طول