جوزي مكنشي يعرف حكايات زيزي
صورة قديمة ليها ولأخوها وهما صغيرين.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت
جميلة أوي، شكرًا يا دانيال.
قعد جنبها، وفضل يتكلم عن ذكريات طفولتهم، وعن قد إيه هو سعيد إنها بدأت تتحسن نفسيًا رغم كل اللي مرت بيه.
لكن سوتون كانت مركزة في حاجة تانية.
كانت بتراقب عينيه، وحركات إيده، وكل مرة يخرج فيها موبايله ويبص عليه بسرعة.
وفجأة، سألته
دانيال، فاكر يوم الحادثة؟
ابتسامته اختفت للحظة، لكنه حاول يخفي ده.
طبعًا فاكره. ده يوم عمرنا ما هننساه.
إنت كنت فين بالظبط لما عرفت باللي حصل؟
رد بسرعة
كنت في الشغل، ولما أشتون كلمني، روحت المستشفى على طول.
سوتون سكتت شوية، وبعدين قالت
غريبة... أنا فاكرة إنك قلتلي قبل كده إنك كنت في البيت.
دانيال بص لها باستغراب.
لأ يا سوتون، إنتِ أكيد لخبطتي بين الأيام. إنتِ كنتِ تعبانة جدًا وقتها، وذاكرتك عن الفترة دي مش واضحة.
الكلام كان منطقي، لكن طريقته في الرد كانت سريعة زيادة عن اللزوم.
سوتون قررت تضغط عليه بسؤال تاني.
طب قولي يا دانيال، إنت فاكر مين اللي بلغ الشرطة بالحادثة؟
المرة دي، دانيال سكت.
وبعد لحظات، قال
هو إنتِ بتسأليني الأسئلة دي ليه فجأة؟
سوتون حسّت إن قلبها بيدق أسرع.
مجرد فضول. أنا بحاول أفتكر تفاصيل اليوم ده.
دانيال قام من مكانه، وراح ناحية الشباك.
اسمعي يا سوتون، اللي حصل حصل. وإنتِ الحمد لله لسه بينا، وده أهم شيء. مفيش داعي نرجع نفتّح حاجات قديمة ممكن تتعبك.
وبعدين رجع بص لها وأضاف
وعلى فكرة، أنا عرفت إنك رحتي لدكتور العيون من أسبوعين.
سوتون اتصدمت.
هي ما قالتش لحد إنها راحت للدكتور، حتى أشتون نفسه ماكانش يعرف!
حاولت تخفي صدمتها وسألته
عرفت إزاي؟
دانيال ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
قابلت الدكتور بالصدفة، وهو سألني عنك.
لكن سوتون كانت متأكدة إن فيه حاجة مش مظبوطة.
لأن الدكتور اللي بيتابع حالتها عيادته في منطقة بعيدة، ومفيش أي سبب يخلي دانيال يقابله بالصدفة.
وقبل ما تقدر تسأله أكتر، موبايله رن.
بص للشاشة، وملامحه اتغيرت.
رد بصوت واطي
أيوه... أنا عندها دلوقتي.
سكت يسمع الطرف التاني، وبعدها قال
لأ، لسه ما تعرفش.
سوتون حبست أنفاسها.
دانيال لف ضهره ليها، وكمل
أنا هتصرف. متقلقش، مش هسيبها توصل للورق.
الورق!
الكلمة دي خلت سوتون تحس إن الدم اتسحب من وشها.
قفل دانيال المكالمة، ورجع قعد جنبها كأن مفيش أي حاجة حصلت.
لكن سوتون كانت خلاص اتأكدت إن شكوكها مش مجرد أوهام.
قالت له بهدوء
دانيال، ممكن أطلب منك طلب؟
طبعًا يا حبيبتي، أي حاجة.
أنا محتاجة أشوف كل الأوراق الخاصة بتعويض الحادثة. نفسي أفهم إيه اللي حصل بالظبط، وأعرف إذا كان ليا أي حقوق لسه ماخدتهاش.
دانيال اتغيرت ملامحه، لكنه حاول يحافظ على هدوئه.
الأوراق دي قديمة ومعقدة، وأنا كنت متابع الموضوع ده من زمان. لو محتاجة تعرفي أي حاجة، أنا أشرحلك.
لأ، أنا عايزة أقراها بنفسي.
بص لها فترة طويلة، وبعدها قال
حاضر. هجيبهالك بكرة.
سوتون هزت راسها، لكنها كانت عارفة إنه بيكسب وقت.
وبعد ما دانيال مشي، طلعت أوضتها وقفلت الباب، وفتحت موبايلها، وقررت تتصل بالرقم المجهول.
لكن الرقم كان مغلقًا.
حاولت مرة تانية، من غير نتيجة.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت أشتون وهو بيفتح باب البيت.
دخل الأوضة، ولما شافها قاعدة جنب السرير، سألها
إنتِ كويسة يا سوتون؟
بصت له، ولأول مرة ماحاولتش تخفي دموعها.
أشتون، أنا عايزة أسألك سؤال، وعايزاك تجاوبني بصراحة.
قرب منها وقعد قدامها.
اسألي.
رفعت عينيها ناحيته وقالت
إنت كنت تعرف إن أخويا له علاقة بحاجة حصلت يوم الحادثة؟
وشها كان قدامه، لكنها لاحظت إنه ما ردش فورًا.
بالعكس، وشه شحب، وإيده بدأت ترتعش.
وبعد صمت طويل، قال
إنتِ عرفتي إيه بالظبط؟
سوتون حسّت إن قلبها اتكسر.
لأنها فهمت من السؤال إنه مش بينكر.
قالت بصوت مخنوق
يعني إنت كنت عارف؟!
أشتون نزل عينيه للأرض، ومسح وشه بإيده، وبعدها قال
أيوه... كنت عارف إن فيه حاجة حصلت، لكن مش كل اللي إنتِ فاكرة إنه حصل.
يعني إيه؟! اتكلم يا أشتون!
قام من مكانه، وراح ناحية الشباك، وفضل واقف ساكت كأنه بيحارب نفسه.
وبعدين رجع لها وقال
أنا كنت مخبي عنك الملف لأن فيه مستندات لو قريتيها من غير ما تعرفي القصة كاملة، هتفتكري إن كل الناس اللي حواليكي كانوا بيخدعوكي. والحقيقة إن الموضوع أكبر من كده بكتير.
سوتون ردت بغضب
وإنت قررت لوحدك إني ماستحقش أعرف الحقيقة؟!
أشتون ماعرفش يرد.
مد إيده ناحية جيبه، وطلع مفتاحًا صغيرًا مختلفًا عن المفتاح اللي لقيته في الشنطة.
حطه في إيدها وقال
ده مفتاح خزنة في البنك. جواها مستندات أصلية، ورسالة مكتوبة قبل الحادثة بيوم واحد. أنا كنت مستني اللحظة المناسبة عشان أوريهالك.
سوتون بصت للمفتاح، وبعدين رفعت عينيها له.
مين اللي كتب الرسالة؟
أشتون أخد نفسًا عميقًا، وقال
الشخص اللي كتب الرسالة هو نفس الشخص اللي كان المفروض يحميكي يوم الحادثة.
سوتون شهقت.
دانيال؟!
أشتون هز راسه ببطء.
أيوه، أخوكي.
وبعدين أضاف بصوت مكسور
بس فيه حاجة لازم تعرفيها يا سوتون... أخوكي ماكانش لوحده في الموضوع ده.
قبل ما تقدر تسأله مين الشخص التاني، أشتون مد إيده وفتح موبايله، وورّاها رسالة قديمة محفوظة عنده.
كانت الرسالة مرسلة قبل الحادثة بيوم واحد، ومكتوب فيها
كل حاجة جاهزة. بكرة الموضوع هيتحسم، وسوتون مش هتعرف أي حاجة غير لما يكون الوقت فات.
لكن اسم المرسل كان مخفيًا.
وتحت الرسالة، كان فيه تسجيل صوتي قصير.
أشتون بص لها وقال
لو سمعتي التسجيل ده، حياتك كلها هتتغير. بس قبل ما أسمعهولك، لازم أوعديني إنك هتسمعيني للآخر، مهما كان اللي هتعرفيه.
سوتون بصت له، وقلبها بيصرخ من الخوف.
وبعدين قالت
شغّله.
أشتون ضغط على زر التشغيل.
خرج صوت رجل من الموبايل، واضح ومألوف جدًا...
صوت رجل سوتون كانت بتسمعه طول عمرها، وكانت بتثق فيه أكتر من أي شخص تاني.
لكن قبل ما التسجيل يكشف الجملة اللي بعدها، انطفأ الموبايل فجأة.
وأشتون رفع رأسه ناحية باب الأوضة، بعدما سمع صوت خطوات بتقترب منهما.
خطوات شخص كان عنده نسخة من مفتاح البيت...
وشخص لم يكن من المفترض أن يعرف بوجود هذا التسجيل أصلًا!
سوتون فضلت باصة للموبايل اللي فصل، وعقلها مش قادر يستوعب اللي بيحصل.
الصوت اللي سمعته كان مألوف بشكل مخيف، لكن التسجيل وقف قبل ما تعرف صاحبه قال إيه.
بصت لأشتون وسألته
مين اللي كان بيتكلم؟ أنا عارفة الصوت ده... أنا متأكدة إني سمعته قبل كده!
أشتون ما ردش، لأنه كان مركز مع صوت الخطوات اللي جاية من ناحية السلم.
وفجأة، مقبض الباب اتحرك.
أشتون قرب منها وهمس
اسمعيني كويس. مهما حصل دلوقتي، ماتتكلميش عن الملف، ولا عن التسجيل اللي سمعتيه. الشخص اللي بره لو عرف إنك وصلتي للمرحلة دي، ممكن يضيّع آخر دليل عندنا.
سوتون مسكت إيده وقالت
أنا تعبت من الأسرار يا أشتون! سنتين وأنا عايشة في ضلمة، ولما بدأت أشوف النور، اكتشفت إن الناس اللي حواليا مخبيين عني حاجات أكتر من اللي كنت أتخيلها. مش هسكت تاني!
قبل ما يرد، الباب اتفتح.
كان دانيال واقف قدامهم!
ابتسم ابتسامة متكلفة وقال
إيه ده؟ إنتوا الاتنين قاعدين في الضلمة ليه؟
سوتون بصت ناحية الشباك، وبعدها رجعت بصت له. نور الغروب كان لسه داخل الأوضة، لكنه كان خافت.
رد أشتون بسرعة
كنا بنتكلم في موضوع خاص.
دانيال دخل وقفل الباب وراه.
موضوع خاص إيه اللي يخليكم تقفلوا الباب؟ أنا أخوها، ومن حقي أطمن عليها.
سوتون لأول مرة ماقدرتش تتحمل نبرة الثقة دي.
قالت له
بما إنك أخويا، يبقى أكيد مش هتضايق لو سألتك عن يوم الحادثة.
ابتسامته اختفت.
إحنا لسه هنتكلم في الموضوع ده تاني؟
أيوه، هنتكلم. عايزة أعرف إيه اللي حصل بالظبط، وليه فيه أوراق باسمي مخبيينها عني.
دانيال بص لأشتون نظرة سريعة، وبعدها رجع لها.
أشتون هو اللي قالك على الأوراق؟
سوتون ما ردتش.
لكن صمتها كان كفاية.
دانيال تنهد، وقعد على الكرسي اللي قدامها، وقال
طيب، بما إنك مصممة تعرفي، فأنا هقولك الحقيقة اللي أقدر أقولها.
أشتون قاطعه فورًا
لأ يا دانيال. مش بالطريقة دي.
دانيال بص له بغضب.
وإنت بقى هتفضل تتحكم في كل حاجة لحد إمتى؟ سنتين وإنت مأجل المواجهة، وكل يوم بتقول بكرة! سوتون من حقها تعرف!
سوتون حسّت بصدمة جديدة.
إنتوا بتتكلموا عن إيه؟! يعني إنتوا الاتنين كنتوا متفقين إني ماعرفش؟
دانيال غمض عينيه لحظة، وبعدها قال
إحنا اتفقنا إنك ماتعرفيش التفاصيل غير لما يبقى عندنا دليل كامل.
دليل على إيه؟!
المرة دي، أشتون هو اللي رد
على إن الحادثة ماكنتش مجرد حادثة عادية زي ما اتقالك.
سوتون حطت إيدها على بقها.
يعني إيه؟! العربية اتعرضت لحادث، وأنا فقدت نظري... إيه اللي ممكن يكون حصل غير كده؟
أشتون قرب منها وقال
يومها،