طول عمري مكسوفة حكايات زيزي
هز راسه.
— أيوه.
— طب ليه مستني كل ده عشان تورّيهالي؟
بص ناحية البيت، وقال:
— لأن الحاجة دي مش مجرد ذكرى قديمة. دي دليل على اللي حصل فعلًا، وأنا مش عايزك تصدقي كلامي لمجرد إني جدك. عايزك تشوفي الحقيقة بنفسك.
وبعدين قام، وشاورلي إني أمشي وراه.
دخلنا البيت، وعدّينا من الصالة لحد ممر طويل في آخره باب خشبي قديم.
عمري ما كنت دخلت الأوضة اللي وراه، رغم إني زرت جدي مئات المرات.
طلع مفتاح صغير من جيبه، وفتح الباب.
الأوضة كانت مليانة صناديق وكتب قديمة، وفي ركن بعيد كان فيه دولاب خشبي عليه طبقة خفيفة من التراب.
جدي فتح أول درج، وطلع منه مجموعة أوراق، وبعدها فتح الدرج اللي تحته.
كان فاضي تقريبًا، ما عدا علبة معدنية صغيرة.
ناولني العلبة وقال:
— دي آخر حاجة سابتهالي إليزابيث قبل ما تسافر بسنين.
بصيتله بدهشة.
— تسافر؟ هي راحت فين؟
قال:
— دي حكاية تانية، وهحكيهالك لما نشوف اللي جوه العلبة.
فتحتها بحذر.
لقيت جواها سوار أطفال صغير، وصورة تانية، ومفتاح أصغر من المفتاح اللي جدي كان ماسكه.
لكن تحت الحاجات دي، كان فيه ورق مطوي، وعليه اسم أمي كاملًا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت الورقة، ولقيت إنها نسخة من مستند قديم، عليه تاريخ ميلادي، وتوقيع طبيب، وختم مستشفى.
بصيت للتاريخ، وبعدها بصيت لجدي.
— يا جدو، ده مستند من يوم ولادتي!
قال بهدوء:
— أيوه.
رجعت أبص في الورقة، ولاحظت إن فيه ملاحظة مكتوبة بخط اليد في آخرها، مختلفة عن باقي الكلام.
قربتها من عيني، وبدأت أقراها ببطء.
ولما فهمت معنى الجملة، حسيت إن رجلي مش شايالاني.
رفعت عيني لجدي، وصوتي بالكاد طلع:
— إنت كنت عارف إن فيه خطأ في أوراق ولادتي من أول يوم؟!
جدي غمض عينيه للحظة، وبعدها رد:
— كنت شاكك، لكن مكنش معايا الدليل الكافي.
— خطأ إيه؟! أنا مش فاهمة!
مد إيده ناحية المستند، وأشار لسطر محدد.
— بصي على الاسم المكتوب هنا، وبعدين قارنيه بالاسم الموجود في الصورة القديمة.
عملت زي ما قالّي.
وفجأة، لاحظت إن اسم العيلة المكتوب في المستند مش هو نفس الاسم اللي كنت أعرفه من الصورة!
قبل ما ألحق أسأله، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب البيت الخارجي.
وبعد ثواني، سمعنا صوت أمي بتنادي:
— بابا؟ إنت فين؟
جدي بصلي بسرعة، وملامحه اتغيرت.
ولأول مرة من ساعة ما وصلت، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لمّ الأوراق بسرعة، لكنه ساب الصورة في إيدي.
همستله:
— يا جدو، إنت خايف من إيه؟!
بصلي وقال جملة خلتني أحس إن فيه جزء أخطر من الحكاية لسه مستخبي:
— لأن أمك لو عرفت إنك وصلتي للمستند ده النهارده، ممكن تضطر تحكيلك سر فضلت بتحاول تنساه أكتر من ستة وعشرين سنة.
وفي اللحظة دي، ظهر ظل أمي عند باب الأوضة.
كانت واقفة، وباصّة للصورة اللي في إيدي.
وشها شحب فجأة، وحطت إيدها على بقها، وقالت بصوت مبحوح:
— إيميلي... إنتِ جبتي الصورة دي منين؟!
يتبع...
أمي كانت واقفة عند باب الأوضة، عينيها متعلقة بالصورة اللي في إيدي، ووشها اتغير لدرجة إني في البداية افتكرتها تعبانة.
قربت منها خطوتين وقلت:
— ماما، إنتِ تعرفي الست دي؟
أمي مردتش. فضلت باصة للصورة، وبعدها بصت لجدي وقالت بصوت بيرتعش:
— بابا... إنت وعدتني إن الموضوع ده مش هيتفتح تاني!
بصيت لها باستغراب.
— موضوع إيه يا ماما؟! أنا مش فاهمة حاجة! مين إليزابيث دي؟ وليه كل ما أجيب سيرتها ألاقيكم بتخافوا؟
أمي غمضت عينيها، وكأنها بتحاول تمنع دموعها من النزول.
جدي اتنهد وقال:
— يا بنتي، إيميلي كبرت، ومن حقها تعرف الحقيقة.
أمي ردت بعصبية لأول مرة أشوفها بيها قدام جدي:
— الحقيقة مش دايمًا بتريح يا بابا! ساعات بتفتح جروح إحنا قضينا عمرنا بنحاول نقفلها!
أنا كنت واقفة بينهم، حاسة إني غريبة وسط عيلتي، مع إني المفروض أكون أكتر واحدة من حقها تفهم اللي بيحصل.
قلت بصوت مخنوق:
— يعني إيه؟ هو أنا عملت حاجة غلط؟ فيه حاجة في أصلي إنتوا مخبيينها عني؟!
أمي جريت ناحيتي ومسكت إيدي.
— لأ يا إيميلي! إنتِ معملتيش أي حاجة غلط، ولا فيكي أي عيب، ومهما عرفتِ من أسرار، ده مش هيغير إنك بنتي.
كلامها كان المفروض يطمني، لكنه زوّد خوفي.
لأنها بدل ما تجاوبني، كانت بتأكدلي إن فيه فعلًا حاجة كبيرة مستخبية.
بصيت لجدي وقلت:
— أنا عايزة أسمع الحكاية من أولها، ومش هخرج من هنا غير لما أفهم.
جدي بص لأمي، وأمي فضلت ساكتة وقت طويل.
وفي الآخر، راحت ناحية الكرسي وقعدت، وحطت إيديها على وشها، وبعدها بدأت تتكلم.
— لما كنت صغيرة، كنت فاكرة إن حياتنا عادية زي أي عيلة. كنت عايشة مع ماما وبابا، وبزور إليزابيث من وقت للتاني. كانت ست طيبة جدًا، بتحب الأطفال، وكانت دايمًا بتجيبلي هدايا بسيطة.
سألتها بسرعة:
— طب هي كانت قريبتنا إزاي؟
أمي رفعت راسها وبصتلي.
— إليزابيث كانت أخت جدتك من ناحية الأم.
اتصدمت.
— يعني كانت أخت جدتي فعلًا؟!
هزت راسها.
— أيوه. بس بعد مشكلة كبيرة حصلت في العيلة، العلاقة بينهم اتقطعت لسنين. محدش كان بيجيب سيرتها، وحتى الصور القديمة بتاعتها اتشالت من البيت.
بصيت للصورة اللي في إيدي، وقلت:
— طب إيه علاقتها بيا أنا؟ وليه كانت شايلة طفلة شبهّي؟
أمي سكتت.
جدي هو اللي رد:
— لأن إليزابيث كانت موجودة في المستشفى يوم ولادتك.
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
— وبعدين؟
جدي بص لأمي، كأنه بيديها فرصة تكمل بنفسها.
أمي أخدت نفس طويل وقالت:
— يوم ولادتك كان من أصعب الأيام في حياتي. حصلت مشكلة في المستشفى، واتنقلت من أوضة لأوضة، وكان فيه ارتباك كبير بين الممرضات والدكاترة. أنا كنت تعبانة جدًا، ومكنتش قادرة أتابع أي حاجة بتحصل حواليا.
سألتها:
— مشكلة إيه بالظبط؟
ردت:
— بعد الولادة، قالولي إن فيه خطأ حصل في تسجيل بعض البيانات، وإنهم محتاجين وقت عشان يراجعوا الأوراق. وقتها كنت مرهقة وخايفة، وبابا كان بيحاول يساعدني.
بصيت لجدي.
— وإنت كنت عارف؟
قال:
— كنت موجود، وشفت جزء من اللي حصل، لكن مكنتش فاهم الصورة كاملة.
أمي كملت:
— بعد كام يوم، المستشفى أكدت إن الأوراق اتراجعت، وإن كل حاجة بقت سليمة. رجعنا البيت، وحاولنا ننسى اللي حصل.
سألتها وأنا متوترة:
— يعني الخطأ كان في الورق بس؟
أمي فتحت بقها عشان ترد، لكنها سكتت فجأة.
جدي قام من مكانه، وطلع المستند القديم من العلبة المعدنية.
حطه قدام أمي وقال:
— طيب، لو كان خطأ في الورق بس، تفسري إزاي إن الاسم المكتوب هنا مختلف عن الاسم اللي موجود في شهادة الميلاد الأصلية؟
أمي بصت للمستند، ووشها شحب تاني.
وبعد لحظات، همست:
— أنا كنت فاكرة إن الورقة دي ضاعت للأبد.
اتسمرت مكاني.
— يعني إنتِ عارفة الورقة دي؟!
أمي هزت راسها ببطء.
— أيوه.
— طب إيه اللي مكتوب فيها؟
جدي رد قبلها:
— الورقة دي بتثبت إن فيه مراجعة حصلت لبيانات طفلين اتولدوا في نفس المستشفى وفي نفس اليوم، وإن فيه سؤال مهم وقتها محدش قدر يجاوب عليه بشكل قاطع.
حسيت إني مش قادرة أتنفس من كتر التوتر.
— طفلين؟! إنتوا بتتكلموا عني وعن طفلة تانية؟!
أمي نزلت عينيها للأرض.
— أيوه يا إيميلي.
سكت المكان كله.
أنا عمري ما كان عندي أخت توأم، على الأقل ده اللي اتقاللي طول حياتي. مكنتش أعرف إن فيه طفلة تانية اتولدت في نفس اليوم اللي اتولدت فيه.
سألتها وأنا بحاول أستوعب:
— والطفلة دي حصلها إيه؟
أمي بدأت تعيط.
— معرفش يا بنتي... ودي أكتر حاجة فضلت تعذبني سنين طويلة.
جدي اعترض بهدوء:
— لأ يا بنتي، إحنا منعرفش مكانها دلوقتي، لكن عندنا معلومات ممكن تساعدنا نوصل للحقيقة.
أمي بصتله بحدة.
— بابا، كفاية! إحنا مش عارفين إذا كانت المعلومات دي صحيحة أصلًا!
قلت وأنا ببص لهم الاتنين:
— طب ما نتحقق! ليه نفضل عايشين في الشك؟ لو فيه طفلة اتظلمت بسبب خطأ حصل يوم ولادتي، يبقى لازم نعرف اللي حصل.
جدي بصلي نظرة طويلة، وبعدها ابتسم ابتسامة حزينة.
— عشان كده كنت مستني اليوم اللي تبقي فيه مستعدة تسمعي الحكاية. كنت عايزك تفهمي إن الحقيقة مش لازم تكون سبب للخوف، وإنك مهما اكتشفتي، قيمتك مش هتتغير.
وبعدين رجع للصندوق الخشبي، وطلع منه ورقة صغيرة كانت مستخبية تحت بطانة القاع.
قال:
— دي آخر رسالة وصلتني من إليزابيث قبل ما تنقطع أخبارها.
فتحت الورقة، ولقيت سطرين بس مكتوبين بخط مهزوز:
«جورج، لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن الطفلتين، دور على السجل رقم ٤٧ في أرشيف المستشفى. فيه إجابة على السؤال اللي محدش قدر يجاوب عليه يوم الولادة.»
رفعت عيني لجدي.
— السجل رقم ٤٧ لسه موجود؟
قال:
— مش متأكد، لكن المستشفى لسه موجودة، والأرشيف القديم ممكن يكون فيه نسخ من السجلات.
أمي مسحت دموعها، وقالت بصوت متردد:
— حتى لو لقيناه، لازم نتأكد إننا بنفهم اللي مكتوب فيه صح. أنا مش عايزة نبني حياتنا على مجرد شكوك.
هزيت راسي.
— وأنا كمان مش عايزة أتهم حد أو أصدق أي حاجة من غير دليل. بس لازم نبدأ ندور.
جدي وافقني، وقال إنه هيتواصل مع المستشفى في أقرب وقت عشان يعرف إجراءات طلب السجلات القديمة.
كنت فاكرة إننا كده وصلنا لنهاية الجزء الأصعب، لكن قبل ما نخرج من الأوضة، أمي مسكت إيدي وقالت:
— إيميلي، فيه حاجة لازم تعرفيها عن إليزابيث، قبل ما تبدأي تدوري ورا السجل ده.
بصيتلها.
— إيه هي؟
قالت: