طول عمري مكسوفة حكايات زيزي
— وإليزابيث قالتلك إنها شاكّة في دانيال؟
سوزان اترددت قبل ما تجاوب.
— قالتلي إنها شافت اسمه في ورقة، وإنها مش فاهمة سبب وجوده. لكنها مكنتش عايزة تظلمه من غير دليل.
أمي غمضت عينيها وقالت:
— يعني حتى إليزابيث مكانتش متأكدة.
سوزان هزت راسها.
— بالظبط. وعشان كده أنا مش عايزاكم تتسرعوا في الحكم على أي حد.
كنت ممتنة إنها قالت الكلام ده، لأن فكرة إن عمي يكون له علاقة بسر بالشكل ده كانت بتوجعني.
سألت سوزان:
— طب نقدر نوصل للملف الأصلي إزاي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
— يمكن. قبل ما إليزابيث تختفي، قالتلي إنها هتسيب نسخة تانية من بعض الأوراق في مكان آمن. وقتها، أنا افتكرت إنها بتتكلم عن بيتها القديم، لكن معرفش إذا كانت فعلًا سابت حاجة هناك.
بصيت لجدي فورًا.
— الصندوق الأزرق!
هز راسه.
— غالبًا ده اللي كانت تقصده.
سوزان قامت، وراحت ناحية مكتبة صغيرة، وطلعت كتابًا قديمًا.
فتحته من النص، وخرجت منه ورقة مكتوب عليها عنوان بيت إليزابيث القديم، وتحت العنوان جملة قصيرة:
«المفتاح عند جورج، لكن الحقيقة مش هتظهر غير لما تفتحوا الدرج التالت.»
جدي أخد الورقة، وفضل باصص لها من غير كلام.
سألته:
— يا جدو، إنت تعرف المفتاح ده؟
مد إيده لجيبه، وطلع المفتاح الصغير اللي لقيناه في العلبة المعدنية.
— أعتقد إن ده هو.
أمي قامت بسرعة.
— يبقى لازم نروح البيت النهارده.
لكن جدي وقفها.
— مش قبل ما نتصل بدانيال ونسمع منه. لو اسمه ظهر في المستند، يبقى من حقه يشرح لنا.
أمي وافقته، رغم إن ملامحها كانت مليانة قلق.
اتصل جدي بعمي، وحط الموبايل على السماعة.
دانيال رد بصوته المعتاد:
— أيوه يا جورج، خير؟
جدي قال:
— محتاجين نشوفك النهارده في موضوع قديم يخص يوم ولادة إيميلي.
الصمت اللي جه بعد الجملة دي كان طويل بشكل غريب.
وبعدين عمي سأل:
— مين اللي فتح الموضوع ده تاني؟
جدي رد:
— إحنا لقينا أوراق قديمة، وعايزين نفهم اللي حصل.
عمي أخد نفس طويل، وقال:
— كنت عارف إن اليوم ده ممكن ييجي، بس مكنتش متوقع إنه هيكون دلوقتي.
حسيت بقلبي بيخبط في صدري.
جدي سأله:
— إنت عارف حاجة عن اللي حصل؟
عمي سكت شوية، وبعدها قال:
— أيوه، عندي معلومات عن اليوم ده. لكن قبل ما أتكلم، لازم أشوف الأوراق اللي معاكم.
اتفقوا يتقابلوا في بيت جدي بعد ساعة.
ولما وصلنا، كان عمي مستنينا في الصالة. أول ما شافني، ابتسم ابتسامة متعبة وقال:
— إيميلي، أنا آسف إنك اتورطتي في كل ده.
قعدنا كلنا، وجدي حط الصورة والمستندات قدامه.
عمي فضل يبص للأوراق فترة طويلة، وبعدها قال:
— أنا فعلًا رحت المستشفى يوم ولادتك، ووقعت على طلب مراجعة البيانات. لكن مش أنا اللي غيّرت أي اسم.
أمي سألته:
— أمال ليه وقعت على الطلب؟
رد:
— لأن إليزابيث طلبت مني أساعدها. كانت شاكّة إن فيه خطأ في الملفات، وطلبت مني أقدم طلب رسمي عشان المستشفى تراجعها.
بصيت له بدهشة.
— يعني إنت كنت بتحاول تساعدها؟
هز راسه.
— أيوه. لكن لما قدمت الطلب، قالولي إن المراجعة خلصت وإن كل حاجة سليمة. وبعدها بوقت قصير، إليزابيث اختفت من حياتنا، وأنا مكنتش عارف أوصل لها.
جدي سأله:
— طب ليه ما قلتلناش كل ده؟
عمي نزل عينيه.
— لأن إليزابيث طلبت مني وقتها إني ما أتكلمش لحد ما يكون فيه دليل. وبعد ما اختفت، خفت أتهم حد ظلم، أو أسبب مشكلة لأمي وأختي من غير ما أعرف الحقيقة.
أمي كانت بتسمع، والدموع بتنزل من غير ما تتكلم.
لكن أنا كان عندي سؤال أهم من كل ده.
— يا عمي، هل ممكن أكون أنا والطفلة التانية اتبدلنا في المستشفى؟
عمي بصلي بجدية وقال:
— ممكن يكون فيه خطأ حصل، لكن مفيش دليل يثبت إن ده اللي حصل فعلًا. وعشان كده، لازم نلاقي الملف الأصلي.
جدي قام، وطلع المفتاح الصغير.
— يبقى مفيش وقت نضيعه.
قررنا نروح بيت إليزابيث القديم في نفس اليوم.
كان البيت بعيد شوية عن المدينة، محاطًا بسور حجري قديم، والجنينة اللي كانت حواليه بقت مليانة أعشاب وشجيرات متشابكة.
لما وصلنا للباب، جدي استخدم المفتاح اللي معاه، وبعد محاولتين، القفل اتفتح.
دخلنا البيت بحذر، وبدأنا ندور على أي علامة تدلنا على مكان الصندوق الأزرق.
الأثاث كان متغطي بملايات بيضا، والرفوف مليانة كتب قديمة، وفي الممر كانت فيه صور عائلية متعلقة على الحيطة.
وقفت قدام صورة إليزابيث، ولاحظت إنها كانت لابسة سلسلة صغيرة عليها نفس شكل الفراشة اللي شفتها في صور طفولتي.
ناديّت جدي:
— تعال شوف دي!
قرب مني، وبص للصورة.
قال بهدوء:
— إليزابيث كانت بتعتبر الفراشة رمز لبداية جديدة. كانت دايمًا تقول إن الإنسان ممكن يكتشف الحقيقة متأخر، لكن ده مش معناه إنه فقد فرصته في إنه يبدأ من جديد.
الكلام أثر فيّا، خصوصًا إني قضيت سنين طويلة حاسة إن شكلي هو اللي بيحدد قيمتي.
لكن مكنش عندي وقت أفكر كتير.
عمي كان بينادي من آخر الممر:
— لقيت حاجة!
جرينا ناحيته.
كان واقف في أوضة صغيرة، فيها مكتب خشبي وكرسي قديم. قدام المكتب كان فيه دولاب بأدراج مرقمة.
الدرج الأول كان فاضي تقريبًا، والتاني كان فيه رسائل وصور.
أما الدرج التالت، فكان مقفول بقفل صغير.
جدي طلع المفتاح، وحطه في القفل.
لف المفتاح، وسمعنا صوت خفيف.
الدرج اتفتح.
جواه كان فيه صندوق أزرق صغير، بالظبط زي اللي أمي حكت عنه.
إيدي بدأت تترعش وأنا بمدها ناحيته.
فتحته ببطء.
لقيت مجموعة خطابات، وصور قديمة، وظرف بني عليه اسم إليزابيث، وتاريخ بعد يوم ولادتي بشهور.
لكن تحت الظرف، كان فيه مستند رسمي مختوم بختم المستشفى، ومكتوب في أعلاه:
«نتيجة المراجعة النهائية لملفات المواليد.»
أمي حطت إيدها على فمها.
جدي قرب منّي وقال:
— إيميلي، خدي وقتك واقريه بهدوء.
فتحت المستند، وبدأت أقرا السطور الأولى.
كان فيه رقم ملفي، ورقم ملف الطفلة التانية، وملاحظات عن مراجعة بيانات الولادة.
وفي آخر الصفحة، كان فيه سطر مكتوب بخط اليد، وتحته توقيع شخص من إدارة المستشفى.
قريت السطر مرة، وبعدها رجعت قريته تاني.
وبعدين رفعت عيني لجدي، وأنا مش قادرة أتكلم.
لأن الورقة دي ما كانتش بتثبت إن فيه تبديل حصل فعلًا، لكنها كشفت معلومة محدش في العيلة كان يعرفها، معلومة ممكن تغيّر اتجاه التحقيق كله.
يتبع...
فضلت ماسكة المستند، وبحاول أستوعب الكلام المكتوب فيه، لكن كل ما أقرأ سطر، أحس إن فيه سؤال جديد بيظهر قدامي.
جدي قرب مني وقال:
— إيميلي، إيه اللي مكتوب؟
رفعت عيني ليه، وقلت بصوت متقطع:
— مكتوب إن المراجعة اتوقفت قبل ما النتيجة النهائية تتعتمد... وإن فيه طلب تاني اتقدم بعد الولادة بشهرين، من غير ما يكون مرفق بيه أي مستند يثبت سبب الطلب!
عمي دانيال مد إيده وأخد الورقة، وبدأ يقراها بنفسه.
بعد لحظات، قال باستغراب:
— استنوا شوية... بصوا على التاريخ ده!
أشار لتاريخ مكتوب في آخر الصفحة.
كان بعد ولادتي بشهرين بالظبط.
أمي قربت منه وقالت:
— التاريخ ده مهم ليه؟
عمي رد:
— لأن إليزابيث كانت لسه موجودة في المدينة وقتها. أنا فاكر إنها جتلي في اليوم ده، وكانت متوترة جدًا، وطلبت مني أساعدها في الوصول لمدير المستشفى.
جدي بص له بحدة.
— وإنت عملت إيه؟
عمي اتنهد وقال:
— ساعدتها توصل له، لكن الاجتماع اتلغى في آخر لحظة. وبعدها قالتلي إنها هتتصرف بنفسها، وإنها مش عايزة تورّط حد تاني.
سألته بسرعة:
— طب هي قالتلك ليه كانت عايزة تقابل مدير المستشفى؟
هز راسه.
— لأ، مقلتش. كانت مصممة إنها متتكلمش غير لما يكون معاها دليل واضح.
رجعت أبص للمستند، ولاحظت إن فيه ورقة صغيرة متدخلة بين صفحاته.
طلعتها بحذر، ولقيت عليها جملة واحدة مكتوبة بخط إليزابيث:
«الحقيقة مش في الورقة اللي اتعدلت، الحقيقة في الورقة اللي محدش فكر يدور عليها.»
بصيت لجدي.
— تقصد إيه بالكلام ده؟
جدي أخد الورقة وقلبها على ضهرها، لكن مكنش عليها أي حاجة تانية.
قال:
— يمكن كانت تقصد إن فيه سجل تاني لسه محدش وصل له.
أمي كانت واقفة جنب المكتب، وملامحها فيها قلق شديد.
— طيب، لو فيه سجل تاني، هنلاقيه فين؟
عمي بدأ يفتش في الصندوق، وطلع منه مجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق.
فتح أول خطاب، وبدأ يقرا بصوت عالي.
كان مكتوب فيه:
«إلى جورج، لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت في الوصول للحقيقة بالطريقة اللي كنت بتمنّاها. لكني متأكدة إن فيه نسخة من سجل الولادة الأصلي محفوظة في مكان تاني، بعيد عن الأرشيف الرئيسي.»
وقف عمي عن القراءة، وبص لجدي.
— جورج، إنت كنت تعرف إن إليزابيث بعتتلك الخطاب ده؟
جدي هز راسه.
— لأ. دي أول مرة أشوفه.
كمل عمي القراءة:
«النسخة دي اتعملت يوم الولادة، قبل ما تتراجع أي بيانات أو تتعدل أي معلومات. لو لقيتوها، هتعرفوا إن كان فيه خطأ في التسجيل، ولا إن الموضوع أكبر من كده.»
حسيت بقشعريرة في جسمي.
يعني فيه نسخة أصلية ممكن تحسم كل الشكوك، لكن إحنا لسه مش عارفين مكانها.
قلب عمي الخطاب، ولقى في آخره عنوان قديم مكتوب بالقلم.
العنوان كان لمبنى إداري تابع للمستشفى، اتقفل من سنين بعد ما نقلوا أقسام الأرشيف لمكان جديد.
جدي قال بحزم:
— بكرة الصبح هنروح هناك. لازم نعرف إذا كانت النسخة دي لسه موجودة.
لكن قبل ما نتحرك، لفت نظري ظرف صغير في قاع الصندوق.
كان مختلف عن باقي الخطابات، ومكتوب عليه اسمي كاملًا.
مسكته، وحسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
— يا جدو، الظرف ده ليا أنا!
جدي قرب مني، وقال:
— افتحيه يا إيميلي.
فتحت الظرف، ولقيت جواه رسالة قصيرة، مكتوبة بخط إليزابيث.
«إلى إيميلي، لو وصلتي يومًا للرسالة دي، فده معناه إنك كبرتي وبقيتي قادرة تعرفي حكايتك بنفسك.
عايزاكي تعرفي حاجة مهمة: مهما كانت الحقيقة اللي هتوصليلها، متخليش حد يقنعك إنك لازم تخجلي من نفسك. جسمك مش دليل على ذنب، وشكلك مش مقياس لقيمتك، وماضي عيلتك مش مسؤوليتك.
دوري على الحقيقة عشان تعرفي، مش عشان تعاقبي نفسك.»
وقفت عن القراءة، والدموع نزلت من عيني.
لأول مرة، حسيت إن فيه حد من عيلتي فاهم الوجع اللي كنت بخبيه طول السنين دي، حتى لو مكنتش أعرفه شخصيًا.
أمي حضنتني من غير ما تتكلم، وبعد شوية قالت:
— أنا آسفة يا إيميلي. كنت فاكرة إن السكوت هيحمينا من الوجع، لكن واضح إنه خلانا نعيش سنين طويلة وإحنا خايفين من أسئلة ملهاش إجابات.
مسكت إيديها وقلت:
— أنا مش عايزة ألوم حد قبل ما نعرف الحقيقة. كل اللي عايزاه إننا نبطل نخاف من الكلام.
جدي وافقني، ولمّ الأوراق بعناية، واتفقنا إننا هنبدأ البحث عن النسخة الأصلية في اليوم التالي.
تاني يوم، وصلنا للمبنى الإداري القديم التابع للمستشفى.
المكان كان شبه مهجور، لكن بعد ما شرحنا سبب زيارتنا، موظف الاستقبال طلب مننا نستنى لحد ما يتواصل مع مسؤول الأرشيف.
بعد حوالي نص ساعة، خرجت ست في أواخر الخمسينات، وعرفت نفسها باسم ماري.
قالت:
— فهمت إنكم بتدوروا على سجل قديم خاص بواقعة حصلت من ستة وعشرين سنة.
جدي رد:
— أيوه، وعندنا مستندات بتشير إن فيه نسخة أصلية من سجل الولادة ممكن تكون محفوظة هنا.
ماري أخدت صور المستندات، وفضلت تراجعها على جهاز الكمبيوتر، وبعد شوية رفعت راسها وقالت:
— فيه سجل ورقي قديم متخزن في الأرشيف الخارجي، لكن الوصول ليه محتاج موافقة رسمية، خصوصًا إن البيانات بتخص أشخاص تانيين كمان.
عمي قال:
— إحنا مستعدين نقدم كل الأوراق المطلوبة، بس محتاجين نعرف إذا كان السجل موجود فعلًا.
ماري هزت راسها.
— أقدر أأكد لكم إن فيه سجل بنفس الرقم، لكن مش هقدر أقول لكم محتواه قبل ما يتم التحقق من صلاحية الاطلاع عليه.
وافقت أمي على الإجراءات، وقدمنا المستندات اللي معانا.
وبعد مراجعة أولية، قالت ماري إنها هتتواصل معانا بمجرد ما يتم فحص السجل وفق الإجراءات الرسمية.
خرجنا من المبنى، وأنا حاسة بمزيج غريب من الراحة والخوف.
على الأقل، بقينا عارفين إن السجل موجود، وإننا ممكن نوصل للحقيقة بالطريقة الصحيحة.
لكن وإحنا راكبين العربية، موبايل جدي رن.
كان رقم غير مسجل.
رد جدي، وسمعنا صوت راجل كبير في السن بيقول:
— أستاذ جورج؟ أنا عرفت إنك بتدور على سجل الولادة القديم.
جدي اعتدل في قعدته.
— أيوه، حضرتك مين؟
الراجل رد:
— اسمي هنري. كنت مسؤول عن حفظ الملفات الورقية في المستشفى زمان، وفيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تستلموا أي مستند.
جدي سأله:
— إيه هي؟
هنري سكت لحظات، وبعدها قال:
— السجل اللي بتدوروا عليه فيه ملحق منفصل، اتضاف بعد المراجعة الأولى. والملحق ده هو اللي بيوضح ليه الملف اتوقف وقتها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
جدي سأله:
— والملحق ده موجود فين؟
هنري رد:
— المفروض يكون مع السجل الأصلي، لكن فيه نسخة من محضر المراجعة عندي. وأنا مستعد أقابلكم وأوريهالكم.
أمي سألت بسرعة:
— طب والمحضر ده مكتوب فيه إيه؟
هنري اتنهد وقال:
— مكتوب فيه إن الشخص اللي طلب المراجعة النهائية ماكانش من إدارة المستشفى، ولا كان من الطاقم الطبي.
بصيت لجدي، وجدي بصلي.
وبعدين هنري أضاف:
— كان واحد من أفراد العيلة... لكن اسمه مش هو الاسم اللي ظهر في الورقة اللي معاكم.
ساد الصمت داخل العربية.
لأن ده معناه إن فيه شخص تاني تدخل في الموضوع، وشخص محدش فينا كان بيتكلم عنه لحد اللحظة دي.
جدي طلب من هنري عنوانه، واتفق معاه على مقابلة في اليوم التالي.
ولما قفل المكالمة، عمي دانيال قال:
— واضح إننا كنا بندور في الاتجاه الغلط طول الوقت.
أمي ردت:
— أو يمكن كل واحد فينا كان يعرف جزء صغير، ومحدش كان شايف الصورة كاملة.
أما أنا، ففضلت باصة من شباك العربية، وبفكر في إليزابيث، وفي الرسالة اللي سابتها ليا، وفي الطفلة التانية اللي ممكن تكون حياتها اتأثرت بنفس الغموض اللي عشنا فيه كل السنين دي.
كنت عايزة أعرف الحقيقة، لكن بقيت فاهمة إن الوصول ليها مش معناه إننا نكتشف سر واحد وخلاص.
يمكن الحقيقة تكون مجموعة قرارات قديمة، وخوف، وسوء فهم، وأوراق ناقصة... ويمكن يكون فيه حد حاول يصلح الغلط، وحد تاني زوّد المشكلة من غير ما يقصد.
وفي اليوم التالي، لما قابلنا هنري، حط قدامنا صورة لمحضر المراجعة القديم.
كان فيه تاريخ، وتوقيع، واسم الشخص اللي طلب مراجعة الملف.
أمي قربت من الورقة، وقرأت الاسم بصوت واطي.
وبعدين رفعت عيني لجدي، ووشها مليان صدمة.
— بابا... الاسم ده اسم ماما!
جدي أخد الورقة منها، وفضل يبص للتوقيع طويلًا.
أما أنا، فحسيت إن كل حاجة كنت فاكرة إني عرفتها عن عيلتي اتقلبت من جديد.
لأن جدتي نفسها كانت طرفًا في مراجعة السجل... لكن السؤال اللي فضل من غير إجابة هو: كانت بتحاول تصلح إيه، وليه قررت تخبي الموضوع عن الكل؟
يتبع...
أمي فضلت باصة لاسم جدتي المكتوب في المحضر، وكأنها مش قادرة تصدق اللي شايفاه.
قالت بصوت مخنوق:
— ماما عمرها ما حكتلي عن أي حاجة زي دي! إزاي كانت طرف في الموضوع، وإحنا عايشين كل السنين دي من غير ما نعرف؟
هنري، الراجل اللي كان مسؤول عن حفظ السجلات زمان، عدّل قعدته وقال:
— أنا مقدرش أقول لكم سبب طلب المراجعة، لكن فاكر إن جدتكم جات المستشفى بنفسها، وكانت مصممة إنها تقابل مدير القسم. كانت شايلة ظرف، وقالت إن جواه مستند لازم يتضاف للملف.
جدي سأله:
— والظرف ده كان فيه إيه؟
هنري هز راسه.
— معرفش. أنا استلمت منها الظرف عشان أحفظه مع الأوراق، لكن بعد كده جالي أمر إن الملف يتنقل للأرشيف الرئيسي، ومن وقتها مبقتش مسؤول عنه.
عمي دانيال سأله:
— طيب، مين اللي أصدر الأمر ده؟
هنري رجع يبص للمحضر، ومرر صباعه على سطر صغير في أسفل الصفحة.
— هنا مكتوب اسم مدير المستشفى وقتها، الدكتور ويليام هاريس. لكن فيه توقيع تاني جنب اسمه، لشخص كان حاضر وقت المراجعة.
جدي قرب الورقة من عينيه، وفجأة وشه اتغير.
— مستحيل!
بصيتله بقلق.
— فيه إيه يا جدو؟
رفع راسه وقال:
— التوقيع ده توقيع جدك من ناحية أبوكي... جدك إدوارد!
اتصدمت.
جدي إدوارد كان متوفي من قبل ما أتولد بسنين، ومكنتش أعرف عنه غير شوية حكايات كانت جدتي بتحكيها في المناسبات.
سألت جدي جورج:
— هو كان يعرف إليزابيث؟
رد:
— أيوه، كان يعرفها كويس. لكن عمره ما حكى لي عن أي خلاف حصل بينهم.
أمي كانت بتبص للمحضر، وبعد لحظات قالت:
— يبقى ماما وبابا كانوا الاتنين موجودين وقت المراجعة. يعني الموضوع مكنش مجرد خطأ عادي في التسجيل.
هنري رد بحذر:
— ممكن يكونوا كانوا بيحاولوا يساعدوا في حل المشكلة. وجود أسمائهم في المحضر مش دليل إنهم عملوا حاجة غلط.
كلامه كان منطقي، لكني كنت حاسة إننا قربنا من إجابة مهمة.