جدي

لمحة نيوز


مارجريت كانت الوحيدة اللي تعرف مكان المستندات الأصلية بتاعة جدتكم، وكمان كانت عارفة حقيقة اختفاء سوزان.
هنري اتدخل وقال
والتر، إنت لسه مخبي أهم جزء من الحكاية.
جدي بصله بضيق.
مش هينفع نقول كل حاجة مرة واحدة. لازم نروح لمارجريت الأول، ونتأكد إنها لسه محتفظة بالأمانة.
أنا حسيت إن الموضوع بقى أكبر من قدرتي على الاستيعاب، لكن كان عندي سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي.
يا جدي، هو أبويا كان عارف إن خالتي سوزان عايشة؟
جدي سكت شوية، وبعدها رد
أيوه يا بنتي. أبوكي كان عارف إنها عايشة، وكان بيحاول يوصلها لأمك قبل ما يموت.
أمي حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت من جديد.
يعني جوز بنتي مات وهو شايل السر ده لوحده؟!
جدي هز راسه بحزن.
للأسف، أيوه. لكنه سابلكم طريق يوصل للحقيقة، وكان متأكد إن إميلي هتقدر تكمل اللي هو بدأه.
بعد حوالي ساعتين، كنا في طريقنا لبيت مارجريت.
البيت كان في منطقة هادية، وسط جنينة كبيرة مليانة شجر قديم. أول ما خبطنا على الباب، فتحت لنا ست كبيرة في السن، شعرها أبيض ونظارتها فوق عينيها.
أول ما شافت أمي، عينيها اتملت بالدموع.
مارثا؟! يا إلهي إنتِ كبرتي قد إيه!
أمي حضنتها بقوة، وسألتها وسط عياطها
إنتِ تعرفي سوزان؟ تعرفي هي فين؟ وليه كل السنين دي محدش قاللي إنها عايشة؟
مارجريت دخلتنا البيت، وقعدتنا في الصالون، وبعدها جابت صندوق صغير من دولاب قديم.
قالت
أنا وعدت أبو إميلي إني ما أفتحش الصندوق ده غير لما بنتك تتم عشرين سنة، وتيجي بنفسها تطلب الحقيقة.
بصيتلها بدهشة.
بس أنا ما كنتش أعرف إن الصندوق موجود أصلًا!
ابتسمت بحزن وقالت
أبوكي كان عارف إنك في يوم من الأيام هتحتاجي تعرفي الحقيقة، لكنه ما كانش عايزك تكبري وإنتِ شايلة هموم مش بتاعتك.
فتحت الصندوق، وطلعت منه كراسة قديمة، ومفتاح صغير، وخطاب مكتوب بخط أبويا.
مسكت الخطاب، وبدأت أقراه بصوت مرتعش
إميلي حبيبتي،
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى جدي والتر قدر يوصلّك للمكان الصح.
فيه حاجة لازم تعرفيها عن عيلتنا مش كل سر اتخبّى كان هدفه الأذى، لكن مش كل شخص قال إنه بيحميكم كان بيقول الحقيقة كاملة.
أنا سبتلك كراسة فيها أسماء وأحداث، مش عشان تنتقمي من حد، لكن عشان تفهمي اللي حصل وتقدري تختاري بنفسك إنتِ عايزة تكملي إزاي.
وأهم حاجة، يا بنتي، ما تثقيش في أي ورقة قبل ما تتأكدي من مصدرها.
خلصت قراءة الخطاب، وفتحت الكراسة.
في أول صفحة، كان فيه اسم سوزان، وبعده اسم هنري، وبعده اسم شخص تالت مكتوب جنبه بخط أحمر
الشخص الوحيد اللي كان عنده نسخة من الوصية الأصلية.
لكن الاسم كان متغطي بورقة صغيرة ملزوقة على الصفحة.
حاولت أشيلها، لكن مارجريت مسكت إيدي وقالت
استني يا إميلي. قبل ما تشوفي الاسم، لازم تعرفي إن الشخص ده مش بالضرورة يكون هو اللي زوّر الوصية. وجود اسمه في الكراسة معناه إنه كان عنده معلومة مهمة، مش أكتر.
أمي سألتها بحدة
طيب، ليه أبو إميلي أخفى الاسم بالشكل ده؟
مارجريت ردت
لأنه كان خايف إن حد يتهم الشخص ده ظلم، قبل ما يظهر الدليل الحقيقي.
شلت الورقة ببطء.
ولما ظهر الاسم، أمي قامت من مكانها وهي بتصرخ
مستحيل! ده أقرب شخص لينا! إزاي يكون هو اللي معاه نسخة الوصية؟!
جدي والتر قرب من الكراسة، وبص للاسم، وبعدها غمض عينيه بحزن.
أما هنري، ففضل ساكت، كأنه كان متوقع اللي هيحصل.
أنا بصيت لهم كلهم وقلت
إنتوا تعرفوا الاسم ده؟ طب مين الشخص ده؟!
جدي فتح عينيه وقال
ده ابن عم أمك يا إميلي عماد. الراجل اللي ساعدنا في تجهيز جنازة جدتك، واللي فضل سنين يقول إنه ما يعرفش أي حاجة عن الوصية.
أمي كانت مصدومة، لكنها سرعان ما تماسكت وقالت
وجود اسمه هنا مش دليل على إنه عمل حاجة غلط. لازم نواجهه ونسأله بنفسنا.
مارجريت ابتسمت وقالت
وده بالضبط اللي أبوكي كان عايزه منكم.
في اليوم التالي، رحنا لبيت عماد.
لما فتح الباب وشافنا كلنا واقفين قدامه، اتوتر بشكل واضح، لكنه حاول يخفي ده بابتسامة مصطنعة.
خير يا جماعة؟ فيه حاجة حصلت؟
أمي دخلت في الموضوع على طول، وطلعت صورة الصفحة اللي فيها اسمه.
يا عماد، إحنا لقينا اسمك في أوراق قديمة تخص وصية أمي. وعايزين نفهم إنت كنت تعرف إيه عن الموضوع ده.
وشه اتغير، وقعد على أقرب كرسي.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي، بس ما كنتش متوقع إن إميلي هي اللي هتوصل للحقيقة.
جدي سأله
إنت كان معاك نسخة من الوصية الأصلية؟
عماد أومأ برأسه.
أيوه، لكن النسخة اللي كانت معايا ما كانتش كاملة. أنا استلمتها من جدتكم قبل وفاتها، وكانت وصتني أسلمها لمارثا وسوزان مع بعض، مش كل واحدة لوحدها.
أمي سألته بصدمة
طب ليه ما سلمتهالناش؟
عماد نزل عينيه وقال
لأن بعد وفاة جدتكم، وصلني خطاب بيقول إن سوزان تنازلت عن نصيبها، وإن مارثا وافقت على تقسيم الممتلكات. أنا صدقت الخطاب، وسلمت النسخة لشخص قال إنه مسؤول عن تنفيذ الوصية.
هنري سأله بسرعة
مين الشخص ده؟
عماد فتح درج المكتب، وطلع منه إيصال قديم عليه توقيع واضح.
حطه قدامنا وقال
الشخص اللي استلم الوصية كان محامي العيلة القديم. اسمه فؤاد منصور.
جدي اتصدم.
فؤاد؟! ده مات من سنين!
عماد رد
أيوه، لكنه قبل وفاته بفترة قصيرة، بعتلي رسالة قال فيها إنه اكتشف إن المستندات اللي استلمها زمان اتغيرت، وإن فيه نسخة أصلية لسه موجودة في مكان آمن.
أنا مسكت الإيصال، ولاحظت إن عليه تاريخ قبل اختفاء سوزان بأيام قليلة.
لكن اللي لفت نظري أكتر، إن تحت توقيع فؤاد كان فيه توقيع تاني صغير، شبه التوقيع الموجود على خطاب أبويا.
رفعت الورقة ناحية النور، وقلت
استنوا التوقيع ده مش توقيع بابا؟
أمي قربت، وبصت للورقة، وبعدها همست
أيوه، ده توقيعه فعلًا.
هنري أخد الإيصال من إيدي، وفضل يتأمله.
وبعدين قال بصوت منخفض
يبقى أبوكي كان آخر شخص استلم نسخة من الوصية الأصلية وكان عارف مكانها.
جدي قام فجأة وقال
أنا فاكر! قبل ما أبوكي يموت بأيام، سلّمني ظرف وقاللي لو حصل لي حاجة، ما تفتحوش غير لما إميلي تتم عشرين سنة.
أنا بصيتله بصدمة.
إنت معاك ظرف تاني يا جدي؟!
هز راسه ببطء.
أيوه يا بنتي والظرف ده موجود في مكان محدش فيكم يتوقعه.
وقبل ما أسأله عن المكان، موبايل أمي رن.
كان رقم سوزان.
ردت بسرعة، وصرخت من الفرحة
سوزان! إحنا عرفنا مكانك، وهنجيلك!
لكن صوت أختها كان مختلف المرة دي، مليان خوف واستعجال.
قالت
مارثا، اسمعيني كويس ما تدورش على الظرف عند والتر. الظرف مش معاه دلوقتي!
أمي اتجمدت.
أمال فين؟!
سوزان ردت بجملة واحدة
الظرف أخده أبو إميلي قبل وفاته، وسلّمه لشخص واحد بس الشخص ده اتصل بيا من شوية، وقال إنه ناوي يسلّم الظرف لإميلي بنفسه، لكن بشرط إنها تيجي لوحدها!
الخط اتقفل.
بصيت لجدي، ولقيته شاحب ووشه متغير.
قلتله بخوف
يا جدي، إنت تعرف الشخص ده؟
جدي ما ردش، لكنه مد إيده لجيب قميصه، وطلع ورقة صغيرة عليها عنوان.
وبصلي وقال
أيوه يا إميلي أعرفه كويس جدًا.
وبعدين قال اسم الشخص اللي خلاني أحس إن كل الأسرار اللي عرفناها لحد دلوقتي كانت مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير! 
النهاية السر اللي أخفاه أبويا لآخر يوم في حياته! 
جدي والتر فضل باصص للعنوان اللي في إيده، وبعدها رفع عينيه وبصلي وقال
الشخص اللي معاها الظرف اسمه يوسف وده أعز صاحب لأبوكي، وآخر واحد شافه قبل الحادث.
أمي اتفاجئت وقالت
يوسف؟! ده إحنا بندور عليه من سنين، وكل مرة نسأل عنه حد يقول إنه سافر ومارجعش!
جدي هز راسه وقال
يوسف ما سافرش زي ما الناس فاكرة. هو كان بينفذ وعد قطعه لأبوكي، ومستني اليوم اللي إميلي تتم فيه عشرين سنة.
تاني يوم، رحنا للعنوان المكتوب على الورقة. كان بيت صغير في آخر شارع هادي، وأول ما خبطنا على الباب، فتح لنا راجل كبير في السن، ولما شافني ابتسم بحزن.
إنتِ إميلي؟ بنت صاحبي؟
هزيت راسي، فدخلنا وقعدنا في الصالون.
يوسف قام وفتح خزنة صغيرة، وطلع منها ظرف قديم عليه اسم أبويا.
اداني الظرف وقال
أبوكي طلب مني أحتفظ بالرسالة دي، وما أسلمهاش ليكي غير لما تتمي عشرين سنة. كان عايزك تعرفي الحقيقة بنفسك، مش تسمعيها من حد تاني.
فتحت الظرف، ولقيت جواه جواب طويل بخط أبويا.
بدأت أقراه والدموع بتملأ عينيّ
بنتي حبيبتي إميلي،
لو إنتِ بتقري كلامي دلوقتي، يبقى كبرتي وبقيتي قادرة تفهمي حكاية العيلة اللي فضلت مخبيها عنك.
أول حاجة عايزك تعرفيها إن خالتك سوزان عايشة، وإن اختفاءها ما كانش بسبب إنها كرهت أختها أو طمعت في فلوسها.
سوزان اكتشفت إن وصية جدتك اتغيّرت بعد وفاتها، وإن فيه مستندات مهمة اختفت. حاولت تكشف الحقيقة، لكن لما فشلت، قررت تبعد فترة لحد ما تلاقي الدليل.
أنا ساعدتها لأنها كانت بتتعرض لضغط كبير، وكنت عايز أحميها لحد ما نقدر نثبت حقها.
لكن للأسف، ما لحقتش أكمل اللي بدأته.
عشان كده، سيبتلكم الدليل، مش عشان تتخانقوا على الأرض، لكن عشان محدش يفضل مظلوم بسبب كذبة قديمة.
افتكري يا بنتي الحق مش لازم يرجع بصوت عالي، ساعات بيرجع لما الناس تقرر تواجه الحقيقة بشجاعة.
خلصت الرسالة وأنا بعيط.
أمي حضنتني بقوة، وقالت
أبوكي كان شايل همنا كلنا،
وإحنا ما كناش عارفين!
لكن يوسف فتح درج تاني، وطلع منه ملف أخير.
قال
لسه فيه حاجة لازم تشوفوها. دي النسخة الأصلية من وصية جدتكم، ومعاها تقرير رسمي بيثبت إن المستندات اللي اتقدمت بعد وفاتها اتغيّرت من غير موافقة سوزان.
جدي والتر مسك الملف، وبعد ما راجعه مع محامي العيلة، اتأكدنا إن الوصية الأصلية بتثبت حق أمي وخالتي بالتساوي في الممتلكات.
وبكده، اتكشفت الحقيقة اللي اتخبّت أكتر من 30 سنة.
أما عماد، فلما واجهناه بالمستندات، اعترف إنه صدّق الخطاب المزور وسلّم النسخة اللي كانت معاه من غير ما يتأكد من صحتها. ما كانش هو اللي زوّر الوصية، لكنه اعترف إنه أخطأ لما ما راجعش الحقيقة بنفسه.
قررنا نبدأ الإجراءات القانونية عشان نثبت حقوق العيلة، من غير ما نظلم حد أو نتهم شخص من غير دليل.
لكن كان فيه شخص واحد لسه ناقص في الحكاية كلها
سوزان.
بعد أسبوع، سافرنا للعنوان اللي كانت بعتته لأمي.
أول ما الباب اتفتح، ظهرت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض وملامحها شبه أمي بشكل خلاني أعيط قبل ما أتكلم.
أمي وقفت مكانها، وهمست
سوزان إنتِ فعلًا هنا؟
سوزان دموعها نزلت، وفتحت دراعاتها.
أيوه يا مارثا أختك رجعت.
أمي جريت عليها وحضنتها، والاتنين فضلوا يعيطوا وقت طويل، كأنهم بيحاولوا يعوضوا 30 سنة من الغياب في لحظة واحدة.
وبعد ما هديوا، أمي سألتها
ليه ما رجعتيش؟ ليه سيبتيني أعيش كل السنين دي وأنا فاكرة إنك متِّي؟
سوزان مسكت إيديها وقالت
كنت غلطانة يا مارثا. افتكرت إن البُعد هيحميكي، وإن رجوعي من غير دليل ممكن يفتح مشاكل أكبر. وكل ما السنين كانت بتعدي، كنت بخاف أواجهك وأحكيلك إني سبتك لوحدك.
أمي ردت وهي بتعيط
كنت محتاجاكي يا سوزان حتى لو ما كانش معاكي أي دليل، كنت محتاجاكي أختي!
سوزان حضنتها تاني، ووعدتها إنها مش هتختفي من حياتها أبدًا.
وفي اللحظة دي، فهمت إن أكبر خسارة في الحكاية ما كانتش الأرض ولا الفلوس، لكنها السنين اللي ضاعت من عمر أختين بسبب الخوف والسكوت.
بعد شهر، اتجمعت العيلة كلها في بيت جدي والتر.
اتصلح الوضع القانوني للممتلكات، واترد لكل واحدة حقها، وقررنا نستخدم جزء من نصيبنا في ترميم البيت القديم وتحويله لمكان صغير يحتفظ بصور العيلة وحكاياتها، عشان الأجيال الجديدة تعرف تاريخها من غير أسرار مؤذية.
أما جدي، فاعتذرلي قدام الكل لأنه كان بيطلب مني أروح الغابة من غير ما يشرحلي السبب.
حضنته وقلتله
أنا مسامحاك يا جدي، بس أوعدني إننا من النهارده مش هنخبي عن بعض أي حاجة مهمة.
ابتسم، ودموعه لمعت في عينيه.
أوعدك يا بنتي. كفاية أسرار ضيعت مننا العمر.
وبعدها بأيام، رجعت أنا وأمي للغابة للمرة الأخيرة.
وقفنا جنب النهر، في نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية، وبصينا للشجرة القديمة اللي كان جدي بيخبي تحتها الصندوق.
أمي مسكت إيدي وقالت
غريبة الدنيا يا إميلي ساعات بنخاف من الحقيقة، ونفضل نهرب منها سنين، ولما نعرفها نكتشف إننا كنا محتاجين نواجهها من البداية.
بصيت للمية وابتسمت بحزن.
افتكرت أبويا، وجدي، وخالتي، وكل السنين اللي ضاعت بسبب أسرار ما كانش لازم تفضل مدفونة.
وقبل ما نمشي، حطيت صورة أبويا جوه الصندوق الفاضي، ومعاها ورقة كتبت فيها
لأبويا الحبيب الحقيقة ظهرت أخيرًا، والعيلة رجعت لبعض. سامحتك على كل حاجة ما قدرتش تحكيها، وهفضل فاكرة إنك حاولت تحمينا بطريقتك، حتى لو الطريق كان طويل وصعب.
قفلت الصندوق، ومشيت مع أمي وإيدي في إيدها.
ولأول مرة من شهور، حسيت إن مفيش سر مستنينا في آخر الطريق.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط