عندي 39سنه حكايات زيزي

لمحة نيوز


ما أستوعب معنى الكلام، سمعت صوت دانيال جاي من ورايا
إيميلي... إنتِ بتعملي إيه في الدرج ده؟
لفيت ببطء.
كان واقف عند الباب، وفي إيده فوطة المطبخ.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني ما كانش صوته.
كان الملف الأسود اللي فتحه في إيده التانية.
لأن الملف اللي قدامي على المكتب...
كان نفس الملف بالضبط.
بصيت من واحد للتاني، وهمست
دانيال... إيه اللي بيحصل؟
هو بص للورقة اللي في إيدي، ووشه فقد لونه تمامًا.
وبعد لحظة طويلة، قال جملة واحدة خلتني أحس إن السنين السبعتاشر اللي عشتهم معاه كانت مجرد بداية لسر أكبر بكتير
مين قالك إنك إنتِ اللي المفروض تعرفي الحقيقة الأول؟!
فضلت باصة لدانيال، مش قادرة أستوعب الجملة اللي قالها.
يعني إيه مش أنا اللي المفروض أعرف الحقيقة الأول؟ إنت مخبي عني إيه يا دانيال؟
قرب خطوة، فضمّيت الورقة لصدري ورجعت لورا.
أول مرة في حياتي أحس إن الراجل اللي عشت معاه سبعتاشر سنة واقف قدامي كأنه شخص غريب تمامًا.
دانيال لاحظ خوفي، فوقف مكانه وقال بصوت واطي
إيميلي، أنا عارف إنك خايفة، وعارف إن تصرفاتي خلتك تشكي فيا، بس لازم تسمعيني للآخر.
صرخت فيه
أسمعك إيه؟! إنت بتصوّرني وأنا نايمة، وبتقيس بطني من ورايا، ولما أروح للدكتورة تسألني إذا كنت حكيتلها حاجة! ودلوقتي بتقولي إن مش من حقي أعرف الحقيقة؟!
نزل عينيه للأرض.
لأول مرة، ما حاولش يبرر تصرفاته، ولا قال إني بتخيل، ولا اتهمني إني مكبرة الموضوع.
فضل ساكت.
والسكوت ده خوّفني أكتر من أي إجابة.
بعد لحظات، مد إيده ناحية الملف اللي على المكتب وقال
افتحي الصفحة التالتة.
بصيتله بشك.
ليه؟
عشان لو قريتيها، هتفهمي ليه كنت بقيس بطنك كل ليلة.
فتحت الملف بإيد مرتعشة، وقلبت الصفحتين الأولانيين.
كانوا مليانين تواريخ وأرقام وملاحظات مكتوبة بخط دانيال. بعض التواريخ كانت متطابقة مع الليالي اللي صحيت فيها ولقيته واقف جنبي.
لكن الصفحة التالتة كانت مختلفة.
كان فيها جدول طويل، وكل سطر فيه تاريخ، وقدامه قياسات، وتحت الجدول جملة مكتوبة بخط عريض
لازم نحدد إذا كان التغيّر بيزيد ولا بيقل.
رفعت عيني لدانيال.
تغيّر إيه؟!
رد بسرعة
أنا ما كنتش عارف إذا كان اللي بيحصل طبيعي ولا لأ.
وإنت عرفت منين إن فيه حاجة بتحصل أصلًا؟!
فتح بقه عشان يرد، لكنه سكت فجأة، وبص ناحية باب الشقة.
سمعنا صوت مفتاح بيتحط في الباب الخارجي.
دانيال اتوتر بشكل واضح، وخطف الملف من إيدي وقفل عليه.
وبعدين قاللي بصوت حاسم
ادخلي أوضة النوم، وما تتكلميش عن اللي شفتيه دلوقتي.
وقفت مكاني.
مش هدخل أي حتة قبل ما أفهم!
بصلي، وعينيه كانت مليانة خوف حقيقي.
إيميلي، أرجوكي. الشخص اللي بره لو عرف إنك فتحتي الملف، كل حاجة ممكن تتغير.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
دخلت ست كبيرة في السن، يمكن عندها ستين سنة، لابسة معطف رمادي وماسكة شنطة جلد قديمة.
أول ما شافتني، وقفت مكانها.
وبعدين بصت لدانيال وقالت
إنت وعدتني إنها مش هتعرف بالطريقة دي.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
بصيت لدانيال، وبعدها للست الغريبة.
إنتِ مين؟
الست ما ردتش.
حطت شنطتها على الترابيزة، وطلعت منها ظرف بني كبير.
وبصتلي مباشرة وقالت
اسمي مارغريت. وأنا أعرف جوزك من قبل ما يتجوزك بسنين طويلة.
سألتها وأنا بحاول أسيطر على صوتي
وإيه علاقتك ببطني؟!
مارغريت بصت لدانيال نظرة غاضبة.
كان المفروض يقولك بنفسه من زمان.
دانيال قاطعها
مارغريت، مش دلوقتي.
لكنها تجاهلته، وفتحت الظرف وطلعت منه صورة قديمة.
مدّتها ناحيتي.
كانت الصورة لست شابة واقفة قدام مستشفى، وحاطة إيدها على بطنها، وبجانبها راجل ملامحه مألوفة بشكل غريب.
قربت الصورة من عيني.
الست كانت شبهّي لدرجة مرعبة.
نفس شكل العينين، ونفس الأنف، وحتى نفس العلامة الصغيرة اللي عند طرف حاجبي.
أما الراجل اللي واقف جنبها...
فكان دانيال.
لكن الصورة كانت قديمة جدًا، وملامحه فيها أصغر بسنين طويلة.
قلبت الصورة أدور على التاريخ المكتوب وراها.
لقيت تاريخ يرجع لأكتر من عشرين سنة، قبل ما أقابل دانيال أصلًا.
بصيتله وأنا مش قادرة أتكلم.
مين الست دي؟
دانيال غمّض عينيه للحظة، وكأنه كان مستني اليوم ده من سنين.
مارغريت جاوبت بداله
دي أول ست شفت دانيال بيخاف عليها بالطريقة دي.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت
واللي حصل لها هو السبب اللي خلاه يبدأ يصوّر بطنك ويقيسها كل ليلة.
حسيت بدوخة شديدة، فاستندت على الترابيزة.
حصل لها إيه؟
مارغريت فتحت بقية الظرف، وطلعت ورقة طبية قديمة، حوافها مصفرة من الزمن.
لكن قبل ما تمدها ليا، دانيال خطفها من إيدها.
صرخت فيه
كفاية! أنا مش طفلة! إنتوا الاتنين بتتكلموا عن جسمي وحياتي كأني مش موجودة!
دانيال بصلي، وعينيه اتمَلوا بالدموع.
عندك حق.
الجملة دي خلتني أسكت.
لأني طول عمري كنت مستنية منه يعترف إن ليّا حق، حتى لو في أبسط حاجة تخصني.
لكنه كمل
وأنا غلطت لما خبيت عنك. بس فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تقرري إذا كنتِ هتسامحيني أو لأ.
فتح الورقة الطبية، ولفّها ناحيتي.
كان مكتوب فيها اسم المستشفى، وتاريخ الفحص، واسم المريضة.
قريت الاسم مرة.
وبعدين مرة تانية.
إيميلي.
اسمي أنا.
لكن التاريخ المكتوب على الورقة كان قبل ميلادي بسنتين!
رفعت عيني لمارغريت، وشفايفي بتترعش.
إزاي اسمي موجود على ورقة طبية قبل ما أتولد؟!
مارغريت قعدت ببطء، وحطت إيديها فوق بعض.
وبصوت خافت قالت
لأن اسم إيميلي مش أول حاجة اتغيرت في الحكاية دي.
وبعدين بصت لدانيال وأضافت
لكن الحقيقة اللي لازم تعرفيها دلوقتي، إن فيه شخص واحد بس لسه عايش ويقدر يفسر كل اللي مكتوب في الورقة دي.
سألتها بسرعة
مين؟!
مارغريت طلعت من شنطتها مفتاح صغير، وحطته قدامي على الترابيزة.
أمك يا إيميلي.
اتجمدت مكاني.
أمي ماتت من ست سنين.
وقبل ما أقدر أقول أي كلمة، مارغريت فتحت شنطتها مرة تانية، وطلعت منها جوابًا قديمًا عليه توقيع أمي بخط إيدها.
لكن أول سطر في الجواب كان كفيل إنه يخليني أنسى كل حاجة حواليا
لو إيميلي وصلت لسن التسعة وتلاتين، يبقى لازم تعرف الحقيقة عن بطنها... قبل ما دانيال يضطر يعترف بكل حاجة.
رفعت عيني ببطء ناحية جوزي.
كان واقف في مكانه، وشه شاحب، ودموعه نازلة من غير ما يحاول يخبيها.
ولما سألته إنت كنت عارف إن أمي كتبت الكلام ده؟
رد عليّا بصوت مبحوح
أيوه... وكنت مستني اليوم اللي هتكملي فيه تسعة وتلاتين سنة.
لكن قبل ما أقدر أسأله عن السبب، مارغريت بصت في ساعتها فجأة، وقامت من مكانها وهي بتقول
خلاص، ما بقاش عندنا وقت. لازم نروح المستشفى حالًا، لأن النتيجة اللي الدكتورة طلبتها ممكن تكون ظهرت بالفعل.
وبعدين قربت مني وهمست
وفيه تفصيلة واحدة عن فحصك لسه ما تعرفيهاش... لو عرفتيها، هتفهمي ليه دانيال كان بيهمس كل ليلة يا رب المرة دي ما يكونش فات الأوان.
يتبع...
لبست جاكيتي بسرعة، وخدت شنطتي، وخرجت مع مارغريت من غير ما أبص لدانيال.
لكنه لحقنا عند باب الشقة، ومسك المفتاح بتاع عربيته وقال
أنا اللي هوصلكم.
بصيتله بحدة وقلت
أنا مش عايزة أركب معاك.
وشه اتغير، لكنه ما جادلنيش. سلّم المفتاح لمارغريت، وقال جملة خلتها تبصله برعب
لو الدكتورة سألت عن الملف الأزرق، ما تخلوهاش تفتحه قبل ما تشوفوا الصفحة الأخيرة.
مارغريت ردت عليه بعصبية
إنت لسه بتفكر في الملف؟! بعد كل السنين دي، لسه مش قادر تقول لها الحقيقة كاملة؟
دانيال نزل عينيه وقال
أنا بحاول أحميها.
صرخت فيه
من إيه؟! من نفسي؟!
ما ردش.
ركبت العربية مع مارغريت، وطول الطريق كانت ساكتة، بتبص من الشباك وكأنها بتفكر في قرار صعب.
بعد حوالي نص ساعة، ما قدرتش أستحمل أكتر.
قلت لها
أنا عايزة أفهم. إيه حكاية بطني؟ وإيه علاقة أمي بكل ده؟ وليه جوزي بيقيسها كل ليلة؟
مارغريت أخدت نفسًا عميقًا.
قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن مش كل اللي هتسمعيه النهارده هتقدري تصدقيه بسهولة.
أنا عشت سبعتاشر سنة مش فاهمة أنا عايشة إزاي! مفيش حاجة ممكن تخوفني أكتر من كده.
بصتلي بحزن وقالت
أتمنى يكون كلامك صح يا بنتي.
وصلنا المستشفى، وطلعنا على الدور اللي فيه عيادة الدكتورة سارة.
أول ما شافت مارغريت، قامت من مكانها بسرعة.
إنتِ جبتيها؟
مارغريت هزت راسها.
الدكتورة بصتلي وقالت
إيميلي، نتيجة الفحص الأولي ظهرت، لكن قبل ما أشرحلك أي حاجة، محتاجة أعرف إذا كنتِ موافقة إننا نكمل الفحوصات، وإنك فاهمة إن مفيش تشخيص نهائي لحد دلوقتي.
وافقت، وقلبي بيدق بعنف.
فتحت الدكتورة الملف الطبي، وبدأت تراجع النتائج.
وبعد لحظات، رفعت عينيها ناحيتي.
فيه تغير واضح في منطقة البطن محتاج فحوصات أدق. لكن فيه حاجة تانية لفتت نظري، وهي إن الأعراض اللي بتحكي عنها مش كفاية لوحدها عشان نحدد سبب المشكلة.
سألتها بقلق
يعني إيه؟ عندي مرض؟
ردت
لسه ما نقدرش نقول. هنحتاج تصوير طبي وتحاليل إضافية، وبعدها نقدر نتكلم بثقة أكبر.
مارغريت تدخلت فجأة
يا دكتورة، هل راجعتي التاريخ اللي طلبنا منك تراجعيه؟
سارة بصتلها، وبعدها قفلت الملف.
راجعته، لكن مش هقدر أتكلم عن أي حاجة تخص شخص تاني من غير ما نتأكد من المستندات ونحافظ على خصوصية الجميع.
أنا كنت واقفة بينهم، حاسة إن فيه محادثة كاملة بتحصل من ورا ضهري.
ضربت بإيدي على المكتب وقلت
كفاية! أنا صاحبة الجسم ده، وصاحبة الاسم المكتوب في الملف! عايزة أعرف إيه اللي بيحصل!
الدكتورة سارة قامت من مكانها وقربت مني.
معاكي حق. وعشان كده، فيه ورقة محتاجة تشوفيها بنفسك.
فتحت درج مكتبها، وطلعت صورة ضوئية لوثيقة قديمة.
كانت شهادة ميلاد.
شهادة ميلادي أنا.
لكن فيه تفصيلة غريبة في خانة البيانات.
تاريخ التسجيل كان مختلفًا عن التاريخ اللي أعرفه طول حياتي.
قلت باستغراب
إيه ده؟ أنا اتولدت في شهر مارس، مش في شهر يناير!
مارغريت غمضت عينيها، وكأنها كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.
الدكتورة سارة قالت
الاختلاف ده مش دليل على إن فيه تزوير، لكنه سبب كافي إننا نراجع السجلات الأصلية قبل ما نستنتج أي حاجة.
قلبت الورقة، ولقيت رقم ملف مكتوبًا بخط اليد.
نفس الرقم اللي شفته في الملف الأسود عند دانيال!
حسيت بدوخة، وقعدت على الكرسي.
الرقم ده موجود عند جوزي... إزاي؟
مارغريت فتحت شنطتها وطلعت ورقة تانية.
لأن دانيال ما وصلش للملف ده بالصدفة.
بصيتلها.
يعني إيه؟
اترددت لحظة، وبعدين قالت
من حوالي عشرين سنة، قبل ما تتجوزوا، كان دانيال بيشتغل في مكان قريب من المستشفى اللي اتولدتِ فيها. وفي يوم، وصلته رسالة من شخص مجهول، فيها صورة من شهادة ميلادك وطلب غريب.
سألتها
طلب إيه؟
ردت
إنه يفضل قريب منك، ويراقب أي تغيّر صحي يحصل لك، ويحتفظ بكل الملاحظات.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
يعني اتجوزني عشان يراقبني؟!
مارغريت ما جاوبتش بسرعة.
وده كان كفاية إني أفهم إن السؤال أكبر من إنها تقدر تنكره ببساطة.
لكن الدكتورة سارة قالت بحزم
ما ينفعش نحكم على دوافعه من مستند واحد. إحنا محتاجين نعرف مين أرسل الرسالة، وليه طلب المراقبة، وهل فيه أي علاقة فعلية بين ده وبين حالتك الصحية.
سألت مارغريت
وإنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
مدت إيدها ناحية الشنطة، وطلعت ظرفًا صغيرًا تالت.
لأن
 

تم نسخ الرابط