عندي 39سنه حكايات زيزي
دانيال.
ما رديتش.
لكن وصلتني منه رسالة قصيرة
إيميلي، مهما قالتلك الدكتورة هيلين، أرجوكي ما تفتحيش الظرف الأحمر اللي معاها قبل ما تسمعي مني اللي حصل يوم ١٧ يونيو.
رفعت عيني للدكتورة هيلين.
كانت باصة للموبايل، ووشها اتغير.
وببطء، مدت إيدها ناحية درج المكتب، وطلعت ظرفًا أحمر.
وقالت
واضح إنه عرف إنك وصلتي ليّا... بس اللي مش فاهمه هو عرف منين إن الظرف ده لسه عندي!
يتبع...
الدكتورة هيلين فضلت ماسكة الظرف الأحمر، وعينيها بتتنقل بيني وبين الموبايل اللي في إيدي.
وبعدين قالتلي
إيميلي، قبل ما أفتح الظرف ده، عايزاكي تجاوبيني بصراحة. دانيال عمره ما حكى لك عن اليوم اللي أخدك فيه أبوكي للمستشفى وإنتِ صغيرة؟
بصيتلها باستغراب.
أنا عمري ما دخلت مستشفى وأنا صغيرة، غير لما وقعت واتعورت في رجلي. وأمي كانت معايا.
هزت راسها بحزن.
دي الذكرى اللي عيلتك سابتهالك. لكن فيه زيارة تانية، إنتِ غالبًا ما كنتيش فاكرة منها حاجة.
حسيت بقلبي بيقبض.
زيارة إيه؟
فتحت درج المكتب، وطلعت صورة قديمة لطفلة صغيرة نايمة على سرير مستشفى، وراجل واقف جنبها، حاطط إيده على راسها.
قربت الصورة من عيني.
الطفلة كانت أنا.
أما الراجل، فكان أبويا.
لكن اللي صدمني إن أمي كانت واقفة بعيد عن السرير، ووشها مليان دموع، وفي إيدها ورقة بتخبيها ورا ضهرها.
قلبت الصورة.
كان مكتوب على ظهرها تاريخ يرجع لأكتر من تلاتين سنة.
قلت بصوت متقطع
أنا مش فاهمة. إيه اللي حصل لي في اليوم ده؟
الدكتورة هيلين أخدت نفسًا طويلًا.
في اليوم ده، أبوكي جابك المستشفى عشان تعملي فحص طبي. وقتها كانت فيه مشكلة في ملفك، وظهر اختلاف بين بياناتك وبين بيانات طفلة تانية اتولدت في نفس المستشفى.
حسيت إن وداني بتزن.
طفلة تانية؟!
هزت راسها.
أيوه. لكن قبل ما تفهمي غلط، أنا ما بقولش إن حصل تبديل أطفال. أنا بقول إن فيه اختلاف في السجلات، وإن الحقيقة ما اتحددتش وقتها بشكل نهائي.
قعدت على طرف الكرسي، وحطيت إيدي على بطني من غير ما أحس.
كل اللي كنت عايزاه إني أعرف ليه جسمي بيتغير، وليه جوزي بيصورني وأنا نايمة.
لكن كل إجابة كانت بتفتح باب لأسئلة أكتر.
سألتها
طب إيه علاقة ده بدانيال؟ هو عرفني قبل ما نتجوز إزاي؟
الدكتورة هيلين بصت للظرف الأحمر، وبعدين رجعت بصتلي.
دانيال جه عندي قبل جوازكم بشهرين، ومعاه خطاب من أبوكي. طلب مني أراجع ملفك القديم، وأتأكد إذا كانت فيه حاجة ممكن تظهر مع الوقت وتحتاج متابعة طبية.
يعني أبويا هو اللي طلب منه يراقبني؟!
أبوكي طلب متابعة طبية، مش مراقبة سرية لجسمك. وأنا اعترضت على الطريقة اللي دانيال فهم بيها طلبه. قلتله إن أي فحوصات تخصك لازم تكون بعلمك وموافقتك.
حسيت بالغضب بيزيد جوايا.
ومع ذلك، هو فضل سبعتاشر سنة يعمل اللي هو عايزه من غير ما يقولي!
الدكتورة هيلين هزت راسها.
وده تصرف ما عنديش له تبرير. خوفه ما يديهوش الحق يتجاوز حدودك.
لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن فيه حد فاهم الفرق بين إنه يكون قلقان عليّا، وبين إنه ياخد قرارات تخص جسمي من ورايا.
لكن لسه فيه سؤال واحد ما لقيتش له إجابة.
ليه بطني تحديدًا؟
الدكتورة هيلين حطت الظرف الأحمر قدامي.
جوا الظرف ده نسخة من تقرير قديم، ومعاه خطاب بخط أبوكي. أنا احتفظت بيهم لأنني كنت شايفة إن من حقك تعرفي الحقيقة لما تكوني مستعدة.
فتحت الظرف بحذر.
أول ورقة كانت تقريرًا طبيًا قديمًا، فيه تفاصيل عن فحص اتعمل لي وأنا طفلة.
الورقة التانية كانت خطابًا من أبويا.
بدأت أقرأ
هيلين،
أنا عارف إنك شايفة إني غلطان لما طلبت من دانيال يتابع حالة إيميلي من غير ما تعرف التفاصيل كاملة.
لكن فيه حاجة لازم تفهميها. أنا ما كنتش بحاول أسيطر عليها، ولا كنت عايزها تعيش في خوف.
أنا كنت خايف من تكرار اللي حصل في عيلتنا قبل كده.
لو ظهر أي تغير غير طبيعي في جسمها، لازم تتأكدوا الأول من السبب، وما تفترضوش إن الموضوع مرتبط بالتاريخ العائلي قبل ما تراجعوا نتائج الفحوصات.
وقفت عن القراءة.
بصيت للدكتورة هيلين وسألتها
إيه اللي حصل في عيلتنا قبل كده؟
ما ردتش على طول.
قامت، وراحت ناحية مكتبة خشب قديمة في ركن الأوضة، وطلعت منها ألبوم صور.
فتحته على صفحة في النص، وورّتني صورة لست شابة واقفة قدام بيت ريفي، وحاطة إيدها على بطنها.
كان فيه شبه كبير بيني وبينها.
نفس العينين، ونفس شكل الابتسامة.
دي جدتك من ناحية أمك، قالتلي.
بصيت للصورة طويلًا.
أنا عمري ما شفت الصورة دي قبل كده.
لأن أمك كانت بتتجنب الكلام عن تاريخ العيلة الطبي. جدتك عانت من مشكلة صحية في البطن، لكن التشخيص وقتها ما كانش واضحًا، والملفات القديمة ناقصة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يعني ممكن يكون اللي عندي وراثي؟
ممكن، وممكن لأ. مفيش أي دليل يسمح لنا نجزم بكده. عشان كده طلبت منك الفحوصات الحديثة.
سألتها
طب دانيال كان بيقيس بطني ليه؟
الدكتورة هيلين سكتت لحظة، وبعدين قالت
لأنه كان بيحاول يقارن القياسات اللي سجلها بنفسه بالقياسات الموجودة في التقرير القديم. كان فاكر إن أي زيادة في محيط البطن معناها إن الحالة اللي خاف منها أبوكي بدأت تظهر.
وكان فاكر إيه بالضبط؟
بصتلي بجدية.
كان فاكر إنك لو وصلتي لسن تسعة وتلاتين وظهر التغير ده، يبقى لازم تتحركوا بسرعة. لكنه ما كانش طبيب، وما كانش عنده الحق يستنتج تشخيصًا من القياسات دي.
حسيت بصدمة وغضب في نفس الوقت.
سبعتاشر سنة من الخوف، ومن اللمسات اللي كنت برفضها، ومن الليالي اللي كنت بصحى فيها ألاقيه بيصورني...
كل ده عشان اعتقاد ممكن يكون غلط من الأساس؟
لكن قبل ما أقدر أتكلم، الدكتورة هيلين قلبت صفحة في الألبوم.
كان فيه ظرف صغير ملزوق في آخر الصفحة، وعليه كتابة بخط أمي.
إلى إيميلي، لو عرفتِ يومًا إن فيه حاجة اتخبت عنك.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه ورقة قصيرة، مكتوب فيها
بنتي الحبيبة،
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى غالبًا بدأتي تدوري على الحقيقة.
عايزاكي تعرفي إني ما كنتش بخبي عنك لأنني مش واثقة فيكي. أنا كنت بخبي لأنني وعدت أبوكي إني ما أقولش أي حاجة قبل ما نتأكد من الحقيقة كاملة.
لكن فيه شخص واحد في حياتك كان المفروض ما يسيبكيش تعيشي في خوف.
الشخص ده هو اللي لازم تسأليه عن يوم ١٧ يونيو.
ولو حاول يقنعك إنه عمل كل ده عشانك، افتكري إن الحب الحقيقي ما بيطلبش منك تتنازلي عن حقك في الاختيار.
دموعي نزلت على الورقة.
أمي كانت عارفة.
كانت عارفة إن فيه سر، وكانت عارفة إن في يوم من الأيام هكتشفه.
لكنها ما قالتليش مين الشخص اللي لازم أسأله.
رغم إني كنت عارفة الإجابة.
دانيال.
خرجت من عند الدكتورة هيلين، واتصلت بدانيال.
رد بسرعة، وكأنه كان مستني المكالمة.
قلتله
أنا قريت خطاب أبويا.
سكت.
وعرفت إنك كنت بتحاول تتابع حالتي، وإنك كنت فاكر إن فيه مشكلة ممكن تظهر لما أوصل للتسعة وتلاتين.
رد بصوت مبحوح
أيوه.
وعرفت كمان إن الدكتورة هيلين قالتلك إنك ما ينفعش تعمل ده من غير علمي.
ما ردش.
قلتله
عايزاك تحكيلي كل اللي حصل يوم ١٧ يونيو. من غير ما تخبي أي تفصيلة.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال
هحكيلك. بس لازم تعرفي إن اليوم ده ما كانش أول مرة أشوف فيها اسمك.
اتجمدت مكاني.
أمال إيه؟
أخد نفسًا عميقًا وقال
أول مرة شفت اسمك كانت قبل ما أقابل أبوكي أصلًا، وقبل ما أعرف إنك هتبقي مراتي في يوم من الأيام.
حسيت ببرودة في إيدي.
شفته فين؟
قال بصوت واطي
في ملف قديم وصلني من المستشفى اللي كنت بتدرب فيها.
ملف إيه؟
ملف كان المفروض يتقفل ويتحفظ، لكن لما شفت تاريخ ميلادك، افتكرت الورقة اللي أبوكي ورهالي بعد كده.
كنت على وشك أسأله سؤال تاني، لكنه كمل بسرعة
إيميلي، أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة، ومش هطلب منك ده. لكن فيه حاجة لازم أقولها قبل ما تروحي تعملي الفحوصات الجديدة.
قول.
سكت لحظة.
وبعدين قال
القياسات اللي كنت بسجلها ليكي في البيت، ما كانتش السبب الوحيد اللي خلاني أخاف. قبل تلات شهور، وصلتني نتيجة فحص قديم باسمك، وفيها ملاحظة ما كانتش موجودة في النسخة اللي مع أبوكي.
حسيت إن قلبي وقع.
ملاحظة إيه؟!
رد بصوت مرتعش
مكتوب فيها إن فيه فحص تاني اتعمل في نفس اليوم، لكن نتيجته اتشالت من الملف الأصلي.
قبل ما أقدر أسأله مين شال النتيجة وليه، وصلني منه على الموبايل صورة لورقة قديمة.
كانت الورقة عليها ختم المستشفى، وتاريخ ١٧ يونيو.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني إن اسم المريض المكتوب فيها ما كانش اسمي.
كان اسم دانيال نفسه.
وتحت الاسم، فيه ملاحظة بخط اليد
يُمنع إبلاغ إيميلي بوجود هذا الملف حتى يتم التحقق من صلة القرابة.
رفعت الموبايل قدام عيني، وفضلت أعيد قراءة الجملة.
صلة القرابة؟!
إيه علاقة دانيال بتاريخ عيلتي؟ وليه فيه ملف طبي باسمه في نفس المستشفى اللي اتولدت فيها؟!
وفجأة، وصلتني رسالة تانية منه
إيميلي، أنا ما عرفتش الحقيقة كاملة غير من تلات شهور. لكن الشخص اللي كان عارف كل حاجة من البداية... كان عايش وسط عيلتك طول الوقت.
بصيت للرسالة، وإيدي بتترعش.
وبعد ثواني، ظهر اسم المتصل على الشاشة.
مارغريت.
رديت، وسمعتها بتقول من غير أي مقدمات
إيميلي، لازم تسمعيني كويس. أنا لقيت المستند الأصلي اللي كان ناقص من الملف، ولازم أقولك مين اللي أخفاه.
سألتها بصوت مخنوق
مين؟
لكنها ما جاوبتش.
بدل كده، قالت جملة واحدة خلتني أحس إن كل اللي عرفته عن عيلتي ممكن يتغير في لحظة
أبوكي ما كانش الشخص الوحيد اللي وقّع على طلب إخفاء النتيجة... أمك كمان وقّعت.
يتبع...
النهاية السر اللي اتخبّى سبعتاشر سنة
فضلت ماسكة الموبايل، مش قادرة أستوعب كلام مارغريت.
أمي كمان وقّعت على إخفاء النتيجة؟!
أمي اللي كانت بتحضني كل ما أخاف، واللي كانت دايمًا تقولي إن مفيش حاجة أهم من الصراحة بين أفراد العيلة؟
إزاي تكون شاركت في سر زي ده؟
اتصلت بمارغريت تاني، وطلبت منها تيجي لي فورًا ومعاها المستند الأصلي.
وبعد أقل من ساعة، كانت قاعدة قدامي في الصالة، حاطة ظرفًا بنيًا على الترابيزة.
قالتلي
إيميلي، قبل ما تفتحي الظرف، لازم تعرفي إن أمك ما كانتش بتحاول تأذيكي. هي كانت بتحاول تحميكي من قرار أبوكي، لكن الطريقة اللي اختارتها كانت غلط.
فتحت الظرف، وطلعت منه تقريرًا طبيًا قديمًا، وورقة عليها توقيع أبويا وتوقيع أمي.
بدأت أقرأ.
التقرير كان خاص بفحوصات اتعملت لي وأنا طفلة، بسبب مشكلة صحية ظهرت وقتها في منطقة البطن. الفحوصات ما أثبتتش وجود مرض وراثي محدد، لكنها أشارت إلى ضرورة المتابعة لو ظهرت أعراض جديدة مستقبلًا.
أما الورقة التانية، فكان مكتوب فيها إن والديّ طلبوا الاحتفاظ بالنتيجة في ملف منفصل، بعيدًا عن الأوراق اللي ممكن أطلع عليها وأنا صغيرة.
لكن فيه ملاحظة بخط أمي تحت التوقيع
أوافق على تأجيل إخبار إيميلي بالتفاصيل لحد ما تكون كبيرة
وقادرة تفهمها، بشرط ألا يُستخدم التقرير لتخويفها أو اتخاذ قرارات تخص جسمها من غير موافقتها.
حسيت بدموعي بتنزل.
أمي ما كانتش عايزة تخبي عني الحقيقة للأبد، لكنها كانت فاكرة إن التأجيل هيحميني.
واللي ما كانتش تعرفه إن التأجيل ده هيتحول لسنين من الخوف والشك.
سألت مارغريت
طب ودانيال؟ إيه علاقته بكل ده؟
ردت
أبوكي طلب منه يساعد في الوصول للملف القديم، لأنه كان وقتها بيتدرب في المجال الطبي، وكان عنده فرصة يعرف إذا كانت السجلات اتنقلت لمكان تاني. لكن بعد ما اتجوزك، دانيال بدأ يتصرف من نفسه، وقرر إنه يراقب أي تغير في جسمك بدل ما يتكلم معاكي بصراحة.
بصيت لها بغضب.
يعني هو حوّل خوفي لجزء من حياتي، وهو كان يقدر يكلمني من البداية!
هزت راسها.
أيوه، وده غلطه اللي لازم يتحمل مسؤوليته.
في اليوم التالي، رحت للدكتورة سارة، ومعايا كل الأوراق القديمة.
راجعت المستندات، وطلبت فحوصات جديدة، وبعدها شرحتلي إن انتفاخ بطني مش معناه بالضرورة وجود مرض خطير، وإن الأسباب ممكن تكون متعددة، ولازم التشخيص يعتمد على الفحص الحديث، مش على توقعات قديمة.
وبعد استكمال الفحوصات والتصوير الطبي، ظهرت النتيجة.
ما كانش فيه دليل على المرض الوراثي الخطير اللي أبويا كان خايف منه.
لكن الفحص كشف عن مشكلة صحية قابلة للعلاج، كانت محتاجة متابعة وخطة علاج مناسبة، وهي اللي ساهمت في بعض الأعراض اللي كنت بعاني منها.
الدكتورة طمنتني إن حالتي مش محتاجة تدخلًا طارئًا، وحددتلي خطة العلاج والمتابعة.
لما خرجت من العيادة، حسيت لأول مرة من شهور إن صدري بقى أخف.
لكن لسه كان فيه حساب لازم يتقفل.
حساب سبعتاشر سنة من الأسرار.
رجعت البيت، ولقيت دانيال مستنيني.
كان قاعد في الصالة، وقدامه صندوق خشبي صغير.
أول ما شافني، قام من مكانه.
إيميلي، طمنيني. النتيجة ظهرت؟
قلتله
أيوه. والحمد لله، مفيش دليل على المرض اللي كنت خايف منه.
غمض عينيه، وأخد نفسًا طويلًا، وكأنه كان شايل حملًا تقيلًا على صدره.
لكن أنا ما ابتسمتش.
قلتله
دلوقتي دوري أسألك. ليه فضلت سبعتاشر سنة تخبي عني؟ وليه اخترت تراقبني وأنا نايمة بدل ما تقعد معايا وتشرحلي الحقيقة؟
قعد دانيال، وحط إيده على وشه.
لأنني كنت خايف. أبوكي حذرني من احتمال ظهور المشكلة، وأنا صدقته. ولما بدأت ألاحظ التغير في بطنك من تلات شهور، افتكرت إن الوقت اللي كان بيتكلم عنه وصل.
وبدل ما تروح معايا لدكتورة، قررت تصورني وتقيسني وأنا نايمة؟
نزل راسه.
أيوه. وأنا عارف إن مفيش عذر يبرر ده.
لأول مرة، ما حاولش يقول إن ده كان من حبه ليا، ولا إنني لازم أفهم خوفه.
اعترف إنه غلط.
لكنه كان لازم يفهم إن الاعتراف لوحده مش كفاية.
قلتله
أنا محتاجة وقت بعيد عنك. ومحتاجة أعرف إن جسمي وقراراتي وخصوصيتي ملكي، وإن كلمة لأ معناها لأ، حتى لو إحنا متجوزين.
هز راسه، والدموع نازلة من عينيه.
أنا موافق. ومش هضغط عليكي تسامحيني.
بصيت للصندوق اللي قدامه.
إيه ده؟
فتحه، وطلع منه صورًا قديمة، وخطابات، ونسخة من التقرير الأصلي.
قال
دي كل الأوراق اللي عندي. مش هخبي عنك أي حاجة تاني.
أخدت الصندوق، واحتفظت بالأوراق عندي، وطلبت منه يسيبلي مساحة أقرر فيها إذا كنت عايزة أكمل حياتي معاه ولا لأ.
والمرة دي، كان القرار قراري أنا.
عدّت شهور.
بدأت أتعالج، وأتابع حالتي مع الدكتورة سارة، وأتعلم إني ما أتجاهلش خوفي أو ألمي عشان أرضي أي حد.
أما دانيال، فبدأ يحضر جلسات إرشاد زوجي، لكنه ما طلبش مني أرجع لحياتنا القديمة، ولا حاول يستعجل قراري.
وبعد وقت طويل من التفكير، وافقت أقابله في وجود مستشارة أسرية.
ما رجعتش أثق فيه لمجرد إنه اعتذر، وما اعتبرتش إن سبعتاشر سنة من المعاناة ممكن يتمسحوا بكلمتين.
قلتله وقتها
لو فيه أي فرصة إننا نبدأ من جديد، فهي مش هتكون لأنني نسيت اللي حصل. هتكون لأنك فهمت إن الجواز مش معناه إن حد يملك التاني.
هز راسه وقال
فاهم.
قلتله
الثقة مش وعد. الثقة تصرفات بتتكرر كل يوم.
ومشيت من المقابلة وأنا عارفة إن مستقبلي لسه مش محسوم، لكني لأول مرة ما كنتش خايفة من إني أختار بنفسي.
قبل ما أقفل ملف القضية كلها، فتحت آخر صفحة في دفتر أبويا.
كان فيه سطر صغير ماخدتش بالي منه قبل كده
يا إيميلي، لو اضطررتِ يومًا للاختيار بين الحفاظ على هدوء البيت وبين الحفاظ على نفسك، ما تنسيش إن البيت اللي بتخسري فيه نفسك مش هو الأمان اللي كنت بتمناه ليكي.
قريت الجملة أكتر من مرة، وبعدها قفلت الدفتر.
وفهمت أخيرًا إن السر الحقيقي ما كانش مجرد تقرير طبي اتخبّى، ولا قياسات اتسجلت في نص الليل.
السر الحقيقي كان إني اتعلمت أعتبر خوفي واجبًا، وسكوتي تضحية، ورفضي ذنبًا.
لكن الحقيقة اللي أنقذتني كانت أبسط من كل ده
أنا من حقي أكون زوجة من غير ما أبقى مِلك، ومن حقي أحب من غير ما أتنازل عن أماني، ومن حقي أقول لأ من غير ما أبررها لأي حد.
ومن يومها، بقيت كل ما أفتكر اللي حصل، ما أسألش نفسي إزاي استحملت سبعتاشر سنة.
بقيت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا
إزاي أضمن إن باقي عمري أعيشه وأنا مش خايفة من حقي في الاختيار؟
وكانت دي بداية حياتي الحقيقية.