عندي 39سنه حكايات زيزي
الرسالة الأصلية معايا.
فتحت الظرف.
كانت الرسالة مكتوبة على ورقة قديمة، وموقعة باسم شخص واحد.
دانيال ميلر.
شهقت وأنا ببص للتوقيع.
هو اللي بعت الرسالة لنفسه؟!
مارغريت هزت راسها.
لأ. الرسالة كانت موجهة له، لكن التوقيع اللي تحتها كان توقيع الشخص اللي كتبها.
قربت الورقة من عيني، وبدأت أقرأ الاسم المكتوب تحت التوقيع.
كان اسمًا أعرفه كويس.
اسم أبي.
أبويا اللي مات وأنا عندي عشرين سنة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في السطر الأخير من الرسالة
لما توصل إيميلي لسن التسعة وتلاتين، لازم توقف القياسات فورًا، وتسلّمها الملف الأزرق. ممنوع تعرف أي حاجة قبل الموعد ده.
رفعت عيني لمارغريت.
ليه سن التسعة وتلاتين بالتحديد؟!
قبل ما ترد، باب العيادة اتفتح.
دخل دانيال، وشه مرهق، وفي إيده الملف الأزرق اللي حذرنا منه.
بص للدكتورة سارة، وبعدها لمارغريت، وأخيرًا ثبت عينيه عليّا.
وقال بصوت مكسور
خلاص. مفيش داعي نخبي أكتر من كده.
حط الملف قدامي، وفتحه على الصفحة الأخيرة.
كان فيه تقرير طبي قديم، وصورة أشعة، وورقة مكتوب عليها تاريخ ميلادي الحقيقي.
لكن اللي خلاني أحس إن قلبي هيتوقف، كان السطر اللي تحت التاريخ مباشرة
المتابعة تبدأ عند ظهور العلامة الأولى، ولا يجوز إبلاغ إيميلي قبل اكتمال الفحص.
بصيت لدانيال وقلت
أنهي علامة؟!
رد وهو بيبص على بطني
العلامة اللي ظهرت عندك من تلات شهور... هي نفس العلامة اللي خلت أبوكي يكتب الرسالة دي من أكتر من عشرين سنة.
وبعدين سكت لحظة، ومد إيده على التقرير، وأشار إلى ملاحظة صغيرة في أسفل الصفحة.
لكن فيه حاجة واحدة أبوكي ما كانش يعرفها وقتها.
سألته وأنا بحبس دموعي
إيه هي؟
بصلي في عيني وقال
إن الشخص اللي كان المفروض يشرحلك كل ده بنفسه... اختفى قبل ما تقدري تسأليه.
وفي اللحظة دي، تليفون مارغريت رن.
بصت للشاشة، ولما شافت اسم المتصل، إيديها بدأت تترعش.
ردت من غير ما تتكلم.
جه صوت راجل من الناحية التانية، واضح وهادئ
مارغريت، إيميلي عرفت؟
مارغريت بصتلي، وبعدها همست
أيوه... هي قدامي دلوقتي.
الراجل سكت ثواني، ثم قال
يبقى لازم تعرف الحقيقة التانية، قبل ما تكتشف إن التقرير اللي معاها مش التقرير الأصلي.
مارغريت شهقت.
الدكتورة سارة خطفت منها التليفون وقالت
مين حضرتك؟ وإزاي عرفت إن التقرير معاها؟
لكن الخط اتقفل.
وفي نفس اللحظة، دانيال قلب صفحات الملف بسرعة، وبدأ يقارن بين التقرير الموجود قدامنا ونسخة قديمة كانت في آخر الملف.
وبعدين رفع عينيه ليا، ووشه بقى شاحبًا تمامًا.
إيميلي... الورقة اللي إحنا بنبص عليها دلوقتي مش هي اللي أبوكي كتبها.
قرب مني وهمس
حد بدّل التقرير الأصلي... والشخص ده كان عارف إننا هنفتح الملف النهارده بالذات!
يتبع...
فضلت باصة لدانيال وأنا حاسة إن دماغي هتنفجر من كتر الأسئلة.
يعني إيه حد بدّل التقرير؟! وإنت عرفت منين إن ده مش الأصلي؟!
دانيال حط الملف على المكتب، وبدأ يقلب صفحاته بسرعة، لحد ما وصل لظرف صغير كان مخبي جوه الغلاف الخلفي.
طلّع منه ورقة مطوية، وفتحها قدام الدكتورة سارة.
دي صورة التقرير اللي استلمته من أبو إيميلي بنفسه من سنين. أنا احتفظت بيها طول الوقت، وما وريتهاش لحد.
الدكتورة سارة أخدت الورقة وبدأت تقارنها بالتقرير الموجود في الملف الأزرق.
بعد دقايق من الصمت، رفعت عينيها وقالت
فيه اختلافات فعلًا، لكن محتاجين نتحقق من مصدر النسختين قبل ما نقدر نحدد أنهي واحدة أصلية.
أنا ما استحملتش الانتظار.
طب ما حد يقولي إيه اللي مكتوب في التقرير ده! هو أنا عندي مرض؟ ولا فيه حاجة بتحصل لجسمي وأنا مش عارفة؟!
الدكتورة قعدت قدامي وقالت بهدوء
لحد اللحظة دي، مفيش دليل كافي يخلينا نقول إن عندك مرض معين أو إن حد بيتسبب في الأعراض اللي عندك. لازم نكمل الفحوصات، ونفصل بين الحقائق الطبية وبين الأسرار اللي تخص عيلتك.
وبعدين بصت لدانيال بجدية.
وأنت لازم تجاوب على سؤال مهم. ليه كنت بتقيس بطن مراتك وهي نايمة من غير علمها؟
دانيال نزل عينيه.
لأول مرة، شفته عاجز عن إيجاد أي مبرر.
وبعد لحظة قال
كنت بخاف إننا نفوّت العلامة.
صرخت فيه
علامة إيه يا دانيال؟! أنا مش تجربة بتعملوا عليها قياسات! أنا مراتك!
رفع عينيه ليا، والدموع بتلمع فيها.
عارف. وأنا مش هطلب منك تسامحيني على اللي عملته. لكن لو قلتلك إني كنت بحاول أحميكي، هتفتكري إني بكذب.
رديت عليه فورًا
لأنك كذبت عليّا فعلًا!
سكت، وبعدها قال
معاكي حق.
الجملة دي ما ريحتنيش. بالعكس، خلتني أفتكر كل مرة صدقته فيها لما كان يقول إن كل حاجة طبيعية، وكل مرة كنت بصحى فيها بالليل وأقنع نفسي إن خوفي مجرد أوهام.
بعد حوالي ساعة، خرجت من عند الدكتورة سارة ومعايا طلبات الفحوصات وميعاد جديد للمراجعة.
مارغريت أصرت إنها توصلني البيت، لكني رفضت أرجع مع دانيال.
قلتله بوضوح
أنا محتاجة أبعد عنك شوية. ومش عايزاك تدخل أوضة نومي، ولا تلمسني، ولا تصوّرني، ولا تعمل أي حاجة تخص جسمي من غير موافقتي.
هز راسه وقال
حاضر.
كنت مستنية يعترض، أو يحاول يقنعني إني ظالماه، لكنه ما عملش أي حاجة من دي.
وقبل ما أمشي، ناداني.
إيميلي.
لفيت ناحيته.
طلع من جيبه مفتاحًا صغيرًا، وحطه على الترابيزة.
ده مفتاح صندوق أبوكي القديم. أنا ما فتحتهوش من يوم ما استلمته منه.
بصيت للمفتاح، وبعدها بصيتله.
وليه ما قلتليش عنه قبل كده؟
رد بصوت واطي
لأن أبوكي طلب مني ما أفتحوش إلا لو ظهرت العلامة، وأنا كنت فاكر إني هقدر أحل الموضوع من غير ما أوصلك للحظة دي.
أخدت المفتاح ومشيت من غير ما أرد.
في نفس الليلة، كنت قاعدة لوحدي في أوضة المعيشة، قدامي صندوق خشبي صغير وصلني من مارغريت بعد ما دانيال وافق يسلّمهولي.
كان صندوق أبويا.
افتكرت إني آخر مرة شفته فيها، كان قاعد على طرف سريري، وبيحكيلي عن يوم ما دخلت المدرسة لأول مرة.
كان دايمًا يقوللي
إنتِ أقوى مما تتخيلي يا إيميلي، ومهما حصل، ما تسمحيش لحد ياخد منك حقك في إنك تفهمي حياتك.
ساعتها ما فهمتش قصده.
دلوقتي، كنت بتمنى لو كان لسه عايش عشان أسأله عن كل حاجة.
دخلت المفتاح في القفل.
الصندوق اتفتح بسهولة.
جواه صور قديمة، وخطابات، ودفتر صغير، وفوقهم ظرف مكتوب عليه بخط أبويا
إلى إيميلي، عندما تبلغ التاسعة والثلاثين.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الظرف، وبدأت أقرأ.
بنتي الحبيبة إيميلي،
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى غالبًا ظهر عندك السؤال اللي كنت بخاف منه طول عمري.
أنا عارف إنك هتكوني غاضبة، ويمكن تحسي إني خبيت عنك حاجة كان لازم تعرفيها من زمان.
لكن فيه فرق بين إني أخبي عنك الحقيقة عشان أحميكي، وبين إني أسيبك تعيشي طول عمرك من غير ما تعرفي مين إنتِ.
وعشان كده، فيه ثلاثة أشياء لازم تعرفيها.
أولًا ما تصدقيش أي حد يقولك إن شكل بطنك لوحده دليل على مرض معين.
ثانيًا ما تسمحيش لأي شخص يفسر لك تاريخ عيلتنا من غير ما تشوفي المستندات الأصلية بنفسك.
ثالثًا لو دانيال لسه جنبك، اسأليه عن اللي حصل يوم ١٧ يونيو، قبل جوازكم بشهرين.
وقفت عن القراءة.
يوم ١٧ يونيو.
التاريخ ده كان مألوفًا بشكل غريب.
قعدت أفكر، وفجأة افتكرت إن اليوم ده كان قبل جوازي بشهرين فعلًا.
لكن إيه اللي حصل فيه؟
قلبت باقي الخطاب، ولقيت ورقة صغيرة ملزوقة في آخره، مكتوب عليها عنوان قديم ورقم ملف.
وتحتهم جملة واحدة
الشخص اللي هيقدر يشرحلك معنى التاريخ ده، مش مارغريت، ومش دانيال.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مين إذن؟
فتحت الدفتر الصغير اللي كان في الصندوق، وبدأت أقلب صفحاته.
كانت أغلب الصفحات مليانة تواريخ وملاحظات عن المستشفى، لحد ما وصلت لآخر صفحة.
لقيت اسمًا مكتوبًا بخط أبويا.
اسم ست ما أعرفهاش.
الدكتورة هيلين باركر.
وتحت الاسم رقم تليفون قديم، وعنوان لمركز طبي اتقفل من سنين.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الصورة اللي وقعت من بين صفحات الدفتر.
الصورة كانت ليا وأنا عندي حوالي عشر سنين، واقفة جنب أمي قدام مبنى كبير.
وعلى ظهر الصورة، أمي كاتبة
اليوم اللي وعدنا فيه إيميلي إننا هنقولها الحقيقة لما تكبر.
بصيت للصورة طويلًا.
أنا فاكرة اليوم ده.
فاكرة إن أمي كانت بتعيط، وأبويا كان واقف بعيد عننا، ولما سألتها مالها، حضنتني وقالتلي إن عينيها بتوجعها.
لكن دلوقتي، وأنا ببص للصورة، لاحظت تفصيلة ماخدتش بالي منها قبل كده.
ورا أمي كان فيه باب زجاجي، وعلى الباب لافتة مكتوب عليها اسم المركز الطبي.
وتحت الاسم، بخط صغير جدًا، كانت فيه عبارة
وحدة متابعة الحالات الوراثية.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
هل ممكن يكون كل ده له علاقة بتاريخ عيلتي؟ وهل القياسات اللي كان دانيال بيسجلها كانت مرتبطة بحاجة طبية فعلًا، ولا كان فيه سر تاني؟
ما كنتش أعرف.
لكن كنت عارفة إن لازم أوصل للدكتورة هيلين.
تاني يوم الصبح، اتصلت بمارغريت وسألتها إذا كانت تعرف العنوان.
سكتت لما سمعت الاسم.
وبعدين قالت
إنتِ لقيتي الدفتر؟
أيوه. تعرفي الدكتورة دي؟
مارغريت تنهدت.
أعرفها كويس. بس كنت فاكرة إنها سافرت من البلد من سنين.
عندك أي طريقة أوصل لها؟
ردت بعد تردد
فيه عنوان تاني ممكن يكون عندها. لكن قبل ما أديهولك، لازم تعرفي إن آخر مرة شفتها فيها، قالتلي إنها مش هتتكلم عن عيلتك أبدًا.
سألتها
ليه؟
قالت
لأنها كانت الشخص الوحيد اللي اعترض على الطريقة اللي اتعامل بيها أبوكي مع الموضوع من البداية.
قلبي انقبض.
الطريقة دي كانت إيه؟
لكن مارغريت رفضت تجاوب.
بدل ما تشرح، بعتتلي العنوان في رسالة.
كان عنوان بيت قديم في منطقة هادية، بعيد عن المستشفى اللي رحتها.
روحت هناك بعد الضهر.
خبطت على الباب مرتين.
ماحدش رد.
كنت هأمشي، لما سمعت صوت ست كبيرة من جوه
مين؟
قلت
أنا إيميلي... بنت محمود ميلر.
الصمت اللي جه بعد اسمي كان طويل بشكل مخيف.
وبعدين سمعت خطوات بتقرب من الباب.
اتفتح الباب ببطء، وظهرت ست شعرها أبيض ووشها مليان تجاعيد.
أول ما شافتني، حطت إيدها على بقها.
يا نهار أبيض...
بصيتلها باستغراب.
حضرتك الدكتورة هيلين؟
هزت راسها ببطء، وعينيها ما فارقتش وشي.
وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن كل اللي عرفته لحد اللحظة دي مجرد بداية
إيميلي... إنتِ جيتي متأخرة سبعتاشر سنة.
حاولت أسألها تقصد إيه، لكنها فتحت الباب أكتر، وأشارتلي أدخل.
دخلت، ولقيت على الترابيزة صورة قديمة للدكتورة هيلين مع أمي وأبويا.
لكن جنب الصورة كان فيه ملف بني صغير.
وعلى غلافه اسمي كاملًا، وتاريخ ميلادي.
الدكتورة هيلين قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت قدامي.
قبل ما أشرحلك أي حاجة، لازم أسألك سؤال واحد.
هزيت راسي.
قالت
هل دانيال لسه بيقيس بطنك كل ليلة؟
اتجمدت مكاني.
إنتِ عرفتي منين؟!
الدكتورة هيلين فتحت الملف، وطلعت منه صورة أشعة قديمة.
وبصوت مرتعش قالت
لأن اللي أبوكي كان بيحاول يكتشفه من سنين، واللي دانيال كان بيراقبه في صمت، مش هو نفس الشيء اللي كانوا الاتنين فاكرينه.
وبعدين قلبت صورة الأشعة ناحيتي، وأشارت لعلامة صغيرة في طرفها.
واللي هيحسم الموضوع مش شكل بطنك، ولا القياسات، ولا حتى الصور القديمة.
قربت مني وهمست
اللي هيحسمه هو نتيجة فحص واحد اتعملك وإنتِ طفلة، واتسجل باسم مختلف تمامًا عن اسمك الحقيقي.
في اللحظة دي، رن تليفوني.
كان