كانت لسه نايمه حكايات زيزي

لمحة نيوز

مراتي طلّقتني من غير ما أعرف، ولما المحامي كلّمني اكتشفت إن فيه سر خطير كانت مخبياه عني من شهور سر خلاني أشك إن كل اللي أعرفه عن حياتي كان كدبة!
اسمي أحمد الشناوي، وكنت واحد من أكبر رجال الأعمال في القاهرة.
كنت عايش في شقة فخمة جدًا في برج عالي، في الدور التالت والأربعين، وعندي شركات ومشاريع في أكتر من محافظة، وكنت مقتنع إن مفيش مشكلة في الدنيا إلا وليها حل، وإن أي أزمة مهما كانت صعبة ممكن أخرج منها طول ما معايا فلوس وعلاقات ونفوذ.
لكن مكنتش أعرف إن أكبر أزمة في حياتي هتيجي من أقرب إنسانة ليا، مراتي منى، اللي عشت معاها تسع سنين كاملة.
الصبح ده، كنت واقف قدام الشبابيك الكبيرة في شقتي، ببص على شوارع القاهرة من فوق، وبراجع في دماغي تفاصيل اجتماع مهم كان مستنيني في الشركة.
فجأة، تليفوني رن.
بصيت على الشاشة، ولقيت رقم غريب.
رديت وقلت
ألو، مين معايا؟
سمعت صوت ست بتقول
صباح الخير يا أستاذ أحمد، مع حضرتك نهى فؤاد، محامية مدام منى حسن الشناوي.
استغربت وسألتها
محامية منى؟ خير، حصل إيه؟
قالت بهدوء
بتصل بحضرتك عشان أبلغك إن إجراءات الطلاق خلصت رسمي، والقرار اتوثّق يوم 15 أبريل.
فضلت ساكت ثواني، مش مستوعب الكلام.
وبعدين قلت
طلاق إيه؟! إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ردت بنفس الهدوء
بتكلم عن طلاق حضرتك من مدام منى.
حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
إزاي يعني؟! أنا ومنى اتطلقنا إمتى؟! وإزاي محدش يقولي؟!
قالت
الإجراءات القانونية اتعملت، والأوراق اتبعتت من خلال القنوات الرسمية، والتوقيعات المطلوبة موجودة في الملف.
مسكت التليفون بإيدي الاتنين وقلت بعصبية
أنا ممضتش على ورق طلاق! أنا فاكر كل ورقة بمضي عليها!
سكتت لحظة، وبعدين قالت
يا أستاذ أحمد، حضرتك وقّعت إلكترونيًا على مجموعة أوراق قانونية أثناء سفرك بره مصر، ومن ضمنها كانت المستندات الخاصة بالإجراءات دي.
في اللحظة دي، افتكرت سفرية عمل كنت فيها في نيويورك من كام شهر.
كنت مضغوط جدًا بسبب صفقة كبيرة، ومساعدي بعتلي مجموعة أوراق على الإيميل، وقال إن المكتب القانوني محتاج توقيعي على مستندات متعلقة ببعض الشؤون العائلية.
وقتها، مضيت إلكتروني من غير ما أراجع كل صفحة بالتفصيل.
كنت واثق في الناس اللي حواليا، وواثق إن مفيش حد ممكن يعمل حاجة من ورايا.
لكن دلوقتي، اكتشفت إني وقّعت بإيدي على نهاية جوازي، وأنا حتى مكنتش فاهم الورق اللي قدامي!
زعقت في التليفون
حوّليني على منى حالًا!
ردت المحامية
للأسف، مدام منى مش موافقة على التواصل المباشر في الوقت الحالي.
ضحكت بسخرية وقلت
مش موافقة؟! دي مراتي بقالها تسع سنين! يعني إيه مش موافقة؟!
قالت بنبرة ثابتة
مدام منى مبقتش مرات حضرتك يا أستاذ أحمد، وهي طلبت إن التواصل معاها يكون من خلال القنوات القانونية فقط.
الكلام نزل عليّا زي الصاعقة.
منى، اللي كانت كل يوم بتسألني إذا كنت أكلت ولا لأ، واللي كانت بتستنانى أرجع من الشغل عشان تحكيلي عن يومها، واللي عمرها ما نامت وهي زعلانة مني من غير ما تحاول تصالحني، قررت تنهي كل حاجة وتمشي من غير ما أعرف!
قلت للمحامية
طيب، هي فين دلوقتي؟
قالت
مش هقدر أدي حضرتك معلومات عن مكان إقامتها من غير موافقتها.
يعني إيه مش هتقدري؟! أنا عايز أعرف مراتي راحت فين!
ردت
أقدر أقول لحضرتك إن مدام منى رتبت أمورها القانونية والشخصية قبل ما الإجراءات تخلص، وطلبت إن خصوصيتها تتاحترم، وإن أي تواصل معاها يكون بالطريقة القانونية المناسبة.
بدأ الغضب يتحول لجوايا لحيرة وخوف.
أنا عارف منى كويس.
عارف إنها مش من النوع اللي بياخد قرارات كبيرة في لحظة غضب، ولا من النوع اللي يعمل مشكلة لمجرد إنه يثبت إنه صح.
لكن اللي حصل ده كان مختلف تمامًا.
دي مشيت بعد ما رتبت كل حاجة، وقبل ما أفهم حتى إن فيه مشكلة بالشكل ده!
سألت المحامية
هي كانت بتخطط للموضوع ده من إمتى؟
قالت
من شهور يا أستاذ أحمد.
حسيت إن صوتها بقى بعيد، وكأني مش سامع غير آخر كلمتين.
من شهور؟!
يعني من شهور وهي عايشة معايا في نفس البيت، وبتتكلم معايا كل يوم، وبتسألني عن شغلي ومشاريعي، وأنا مكنتش واخد بالي إنها بتجهّز لحياة كاملة من غيري.
افتكرت آخر كام شهر.
افتكرت إنها كانت ساعات تقعد ساكتة وقت العشا، ولما أسألها مالك، تقوللي إنها بتفكر في حاجات تخص مستقبلنا.
وافتكرت إنها بقت تهتم بالأوراق القديمة، وتسألني عن حسابات البيت، والممتلكات اللي اشتريناها بعد الجواز، وبعض المستندات اللي كانت في المكتب.
وقتها، كنت فاكر إنها بتحاول ترتب حياتنا وتخطط للمستقبل.
ماكنتش أعرف إنها كانت بتحاول تفهم حقوقها، وتحمي نفسها، وتستعد لقرار كبير بالشكل ده.
قلت للمحامية بصوت أقل حدة
طب ليه؟! أنا عملتلها إيه عشان توصل للقرار ده كله من غير ما تتكلم معايا؟
المحامية مردتش فورًا.
وبعد لحظات قالت
ده سؤال الأفضل تسأله لنفسك يا أستاذ أحمد. لأن مدام منى طلبت مننا نبلغ حضرتك برسالة واحدة بس.
قربت التليفون من ودني وقلت
رسالة إيه؟
قالت
قالت أحمد طول عمره فاكر إن كل حاجة بتتحل بالفلوس، وإن أي حد ممكن يغيّر رأيه لو عرض عليه العرض المناسب. لكن فيه حاجات لما بتتكسر، مش بتتصلح بالفلوس، وفيه قرارات لما الإنسان ياخدها بعد تفكير طويل، مبيبقاش مستعد يرجع فيها لمجرد إن الطرف التاني اتفاجئ بيها.
فضلت واقف مكاني، مش قادر أستوعب.
منى عمرها ما اتكلمت معايا بالطريقة دي.
كانت دايمًا هادية، وبتحاول تتجنب الخناق، وحتى لما كنا بنختلف، كانت بتفضل نتكلم لحد ما نوصل لحل.
لكن الرسالة دي مكنتش رسالة واحدة زعلانة وبتعاتب جوزها.
دي كانت رسالة واحدة خلصت كلامها، وخدت قرارها، ومبقتش مستنية مني رد.
سألت المحامية بسرعة
طيب، فيه أي حاجة تانية؟
قالت
أيوه. فيه ملف هيتبعت لحضرتك عن طريق محاميك، فيه نسخة من المستندات والإجراءات اللي تمت، وكمان خطاب شخصي من مدام منى.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
خطاب شخصي؟ مكتوب فيه إيه؟
مش من حقي أقرأه لحضرتك. الأفضل تستلمه وتقرأه بنفسك.
قفلت المكالمة بعد ما أكدتلي إن كل الأوراق هتوصل للمكتب القانوني الخاص بيا.
وقفت في نص الصالة، والتليفون لسه في إيدي.
لأول مرة من سنين، حسيت إني مش عارف أعمل إيه.
كنت متعود لما تحصل مشكلة أجمع الناس المسؤولة، أراجع الأرقام، وأحط خطة، وأطلع منها في أسرع وقت.
لكن المرة دي، المشكلة مكانتش صفقة خسرانة، ولا مشروع اتعطل، ولا شريك اختلف معايا.
المرة دي، المشكلة إن إنسانة عاشت معايا تسع سنين قررت إنها مش عايزة تكمل حياتها معايا.
والأصعب إنها أخدت قرارها من غير ما تديني الفرصة اللي كنت فاكر إنها من حقي.
بعد حوالي ساعة، اتصل بيا محامي شركتي، وقالي إن المستندات وصلت بالفعل.
طلبت منه يراجعها صفحة صفحة، ويشرحلي كل إجراء اتعمل.
وبعد شوية، رجع اتصل بيا وقال
يا أستاذ أحمد، الموضوع محتاج مراجعة قانونية دقيقة. فيه مستندات موقعة إلكترونيًا، وفيه مراسلات قديمة مرتبطة بالإجراءات، ولازم نراجع التسلسل الزمني كله قبل ما نقدر نفهم الصورة كاملة.
قلتله
راجع كل حاجة، ومتفوتش تفصيلة واحدة.
وبعد ما قفلت، افتكرت الخطاب الشخصي اللي المحامية قالت عليه.
فتحت الملف اللي وصلني على الإيميل، وبدأت أقلب في الأوراق.
لقيت نسخ من مستندات رسمية، ومراسلات بين مكاتب قانونية، وقايمة بممتلكات مشتركة، وفي آخر الملف كان فيه ظرف إلكتروني عليه اسمي.
فتحت الخطاب.
كان مكتوب بخط منى.
أحمد،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا أخيرًا قدرت أعمل الحاجة اللي فضلت شهور طويلة بأجل فيها.
مش هقولك إن القرار كان سهل، ولا إن السنين اللي عشناها مع بعض مكنتش مهمة بالنسبالي.
بالعكس، أنا فاكرة كل حاجة.
فاكرة أول شقة سكنّا فيها، وأول مرة شركتك كسبت صفقة كبيرة، والليلة اللي فضلت فيها جنبك وإنت قلقان من خسارة مشروع كنت حاطط فيه كل فلوسك.
فاكرة الأيام اللي كنا بنخطط فيها لمستقبلنا، وكنا بنضحك على أبسط الحاجات.
لكن مع الوقت، بقيت حاسة إني موجودة في حياتك كجزء من الروتين، مش كشريكة حقيقية.
كل ما كنت أحاول أتكلم معاك عن حاجة مضايقاني، كنت بتقولي إنك مشغول، وإننا نتكلم بعدين.
وبعدين كان بيتحول لأسبوع، والأسبوع لشهر، والشهر لسنة.
لحد ما اكتشفت إن المشكلة مش في إنك مشغول.
المشكلة إنك بقيت شايف إن كل حاجة في حياتنا ممكن تستنى، حتى أنا.
أنا مش بكتبلك الكلام ده عشان أنتقم منك، ولا عشان أوجعك زي ما أنا اتوجعت.
أنا بس تعبت من إني أطلب الاهتمام، وأشرح احتياجاتي، وأحاول أقنعك إن وجودي في حياتك مش مجرد تفصيلة جانبية.
عشان كده، قررت أبدأ من جديد.
مش هطلب منك تدور عليّا، ومش هطلب منك تحاول ترجعني بالوعود، لأن القرار ده أخد مني وقت طويل جدًا.
كل اللي بطلبه إنك تحترم اختياري، وتخلّي أي أمور قانونية أو مالية بينا تمشي بالطريقة الصحيحة.
منى.
خلصت قراءة الخطاب، ورميته على المكتب.
كنت متعصب، لكن جوايا كان فيه إحساس تاني مكنتش عايز أعترف بيه.
إحساس إني خسرت حاجة كبيرة، ومكنتش واخد بالي من قيمتها غير لما راحت.
ومع ذلك، كان فيه سؤال واحد مش قادر أخرجه من دماغي.
لو منى كانت عارفة إنها مش سعيدة من شهور، ليه مكنتش واجهتني للمرة الأخيرة؟
ليه اختارت تمشي بالطريقة دي بالذات؟
وليه كانت مهتمة إنها ترتب كل ورقة، وكل تفصيلة، قبل ما تنهي الجواز؟
في آخر الملف، لفت نظري مستند مكنتش شوفته قبل كده.
كان عبارة عن نسخة من خطاب قديم، متبعت من مكتب محاماة تاني، قبل إجراءات الطلاق بشهور.
الخطاب كان موجه لمنى، وفيه طلب إنها تحضر اجتماع لمناقشة موضوع متعلق بممتلكات عائلية قديمة.
لكن اللي شد انتباهي مش محتوى الخطاب.
اللي شد انتباهي كان اسم الشخص اللي وقّع عليه.
محمود الشناوي.
أبويا.
أبويا اللي مات من أربع سنين.
فضلت باصص للاسم وأنا مش فاهم.
إزاي خطاب اتبعت لمنى قبل الطلاق بشهور، وعليه اسم أبويا، مع إنه متوفي من سنين؟
قلبت الورقة، يمكن ألاقي تاريخ قديم أو تفسير للموضوع.
لكن التاريخ كان واضح.
والتوقيع كان موجود.
وفي أسفل الصفحة، كانت فيه ملاحظة مكتوبة بخط اليد
يُرجى عدم إبلاغ أحمد الشناوي في الوقت الحالي، لحين مراجعة المستندات الأصلية.
حسيت ببرودة في أطرافي.
مين كتب الملاحظة دي؟
وليه اسمي اتذكر بالشكل ده؟
وإيه علاقة أبويا بالموضوع اللي منى كانت بتجهزله من شهور؟
اتصلت بمحامي الشركة فورًا، وطلبت منه ييجي المكتب ومعاه كل المستندات الأصلية المرتبطة بالملف.
وقبل ما أقفل، سألته
إنت تعرف حاجة عن ممتلكات قديمة باسم والدي؟
رد بعد تردد
فيه ملف قديم فعلًا، يا أستاذ أحمد، لكن أنا لسه بجمع تفاصيله. واللي أقدر أقوله لحضرتك إن اسم مدام منى ظهر في الملف قبل ما إجراءات الطلاق تبدأ بوقت طويل.
حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد جواز انتهى.
منى مكنتش بس بترتب خروجها من حياتي.
كان فيه ملف قديم، وأوراق محدش اتكلم عنها، واسم أبويا ظهر في توقيت ملوش أي تفسير منطقي.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، قال جملة خلتني أسكت تمامًا
يا أستاذ أحمد، فيه مستند واحد بالذات لازم تشوفه بنفسك. لأنه لو طلع صحيح، فده معناه إن فيه حاجة عن تاريخ عيلتكم إنت ومنى، محدش كان المفروض يخبيها عنك كل السنين دي.
قفلت المكالمة ببطء.
وبصيت تاني على الخطاب اللي منى سابتهولي.
لأول مرة، مبقتش عايز أعرف هي راحت فين وبس.
بقيت عايز أعرف هي اكتشفت إيه؟
وإيه اللي خلاها تقرر إنها لازم تنهي كل حاجة، وتبعد نفسها عني، قبل ما السر ده يظهر؟
لكن السؤال اللي كان مخوفني أكتر من أي حاجة هو
هل منى كانت بتحاول تحمي نفسها مني، ولا كانت بتحاول تحميني أنا من حقيقة تخص عيلتي كلها؟تاني يوم الصبح، وصلت الشركة بدري عن معادي بساعتين، وطلبت من السكرتيرة تلغي كل الاجتماعات، مهما كانت مهمة.
مكنتش قادر أفكر في أي حاجة غير الملف اللي محامي الشركة كلّمني عنه.
بعد حوالي نص ساعة، دخل مكتبي وهو شايل شنطة جلد سودا، وحطها قدامي وقال
يا أستاذ أحمد، أنا راجعت المستندات اللي قدرت أوصلها، وفيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تفتح الشنطة دي.
بصيتله بحدة وقلت
هو إنتوا كلكم هتفضلوا تتكلموا بالألغاز؟ افتح الشنطة وقولي الحقيقة!
فتحها، وطلع منها ملف قديم، لونه أصفر من كتر السنين، وعليه اسم أبويا بالكامل.
محمود عبد الرحمن الشناوي.
أول ما شفت الاسم، افتكرت أبويا وهو قاعد في مكتبه زمان، قدام خزنة حديد كبيرة، وكان دايمًا يقولي إن فيه حاجات في العيلة لازم تفضل محفوظة لحد ما ييجي وقتها.
وقتها كنت فاكر إنه بيتكلم عن أسرار الشغل والمشاريع.
لكن المحامي طلع ورقة من الملف، وحطها قدامي.
قال
الورقة دي مرتبطة بعقار قديم كان مملوك لوالد حضرتك، وفيه مستندات بتشير إن مدام منى كانت بتحاول تتأكد من ملكيته قبل ما إجراءات الطلاق تبدأ.
بصيتله باستغراب.
منى مالها ومال أملاك أبويا؟!
رد
دي النقطة اللي لسه مش مفهومة بالكامل. لكن فيه عقد قديم بيشير إن والد حضرتك خصص جزء من العقار ده لجهة خيرية، وكتب تعليمات واضحة إن الملكية لازم تتراجع لو ظهرت مستندات إضافية.
قلبت
 

تم نسخ الرابط