كانت لسه نايمه حكايات زيزي
تصلح اللي تقدر عليه.
أما بالنسبة لقرار الطلاق، فده قرار منفصل عن موضوع العقار.
أنا أخدت وقت طويل أفكر فيه، ومش عايزاك تربط بينه وبين أي حاجة تانية.
أتمنى في يوم من الأيام تفهم إن احترامي ليك مش معناه إني لازم أكمّل في حياة مبقتش مناسبة ليا.
منى.
خلصت الرسالة، وحسيت إن فيه حاجة جوايا اتغيرت.
كنت لحد اللحظة دي بدور على رابط بين طلاق منى والسر القديم، وكنت فاكر إن لو عرفت الحقيقة، هقدر أفهم ليه مشيت، ويمكن ألاقي طريقة أرجعها.
لكن هي كانت واضحة.
قرارها مش ورقة في ملف العقار.
ومش لغز لازم أحله عشان أقدر أغيّره.
كان قرارها، ومن حقها إني أحترمه.
قمت من مكاني، وشكرت خالد، وطلبت منه يساعدنا في مراجعة المستندات بالطريقة القانونية الصحيحة.
وأنا خارج من المكتب، موبايلي رن.
المحاسب القانوني للشركة.
رديت، فسمعته بيقول بلهجة جادة
يا أستاذ أحمد، إحنا لقينا مستند جديد في مراجعة الحسابات، والمستند ده بيغير فهمنا للتحويلات اللي اتعملت بعد وفاة والدك.
سألته
مستند إيه؟
قال
تعليمات مكتوبة وموقعة من والدك قبل وفاته، بتوضح إن جزء من دخل العقار كان لازم يروح للجهة الخيرية، وإن التحويلات دي كان المفروض تستمر.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لكن فيه حاجة أهم. التوقيعات الموجودة على بعض المستندات اللي اتستخدمت بعد وفاته محتاجة فحص متخصص، لأن فيه اختلافات واضحة بينها وبين التوقيع الأصلي.
وقفت في نص الشارع.
لو المستندات دي مش سليمة، فالموضوع ممكن يكون أكبر من مجرد خطأ في الحسابات.
قلتله
متتهمش حد، ومتتخذش أي إجراء قبل ما الفحص يخلص. عايز تقرير كامل بالأدلة، وعايز كل حاجة تتوثق رسميًا.
قفلت المكالمة، وبصيت للسماء.
كنت فاكر إن أصعب حاجة هواجهها هي إني خسرت منى.
لكن الحقيقة إن قدامي مسؤولية أكبر إني أواجه الماضي من غير ما أظلم حد، وأصلح الأخطاء حتى لو كانت مرتبطة بأقرب الناس ليا.
ومع ذلك، كان فيه سؤال واحد لسه بيطاردني.
مين اللي غيّر المستندات؟
وهل سامح كان مجرد مدير نفّذ إجراءات من غير ما يعرف الحقيقة، ولا كان عنده معلومات مخبيها عني؟
والإجابة بدأت تظهر لما وصلني إيميل من عنوان قديم، مكنتش شوفته من يوم وفاة أبويا، وكان عنوان الرسالة
يا أحمد، قبل ما تواجه سامح، لازم تعرف مين اللي طلب منه ينقل الملفات من الأرشيف في الأساس.
فتحت الإيميل.
وكان اسم الشخص المذكور فيه هو آخر اسم توقعت أشوفه في حياتي.
فتحت الإيميل، وفضلت باصص للشاشة كأني مش قادر أصدق اللي شايفه.
الاسم اللي ظهر قدامي كان
نهى فؤاد محامية منى!
نفس المحامية اللي اتصلت بيا وبلغتني إن إجراءات الطلاق خلصت.
رجعت قرأت الرسالة من أولها، يمكن أكون فهمت غلط.
كان مكتوب
أستاذ أحمد،
أنا عارفة إن وصول الرسالة دي لحضرتك ممكن يسببلك صدمة، لكن لازم تعرف إن مدام منى مش أول شخص حاول يوصل للحقيقة الخاصة بعقار شارع عبد العزيز.
من سنين، وصل لمكتبنا طلب لمراجعة مستندات مرتبطة بالعقار، وكان الطلب مقدم من جهة قانونية بتمثل والدك قبل وفاته.
بعد مراجعة أولية، ظهرت اختلافات بين بعض المستندات، واتطلب استكمال الأوراق الأصلية.
لكن قبل ما المراجعة تخلص، وصلنا طلب بنقل الملف إلى مكتب آخر، وبعدها انقطع التواصل تمامًا.
وتحت الرسالة كان فيه مرفق صغير.
فتحته، ولقيت صورة من خطاب قديم عليه توقيع أبويا، وفي آخره اسم الشخص اللي طلب نقل الملف.
سامح البدري.
حسيت إن كل الخيوط بدأت تتجمع حواليا.
سامح هو اللي طلب نقل الملفات من الأرشيف.
وشركته ظهرت في التحويلات المالية.
واسمه موجود في المراسلات المتعلقة بالعقار.
لكن رغم كل ده، مكنش ينفع أتهمه من غير دليل قاطع.
اتصلت بالمحاسب القانوني، وطلبت منه يراجع الإيميل والمرفقات مع المستندات الأصلية، وبعدها طلبت من المستشار القانوني للشركة يحدد الإجراءات اللازمة لحماية حقوق الشركة وأصحاب الحقوق التانيين.
وبعدين اتصلت بسامح نفسه.
رد بعد الرنة التانية، وقال بنبرة عادية
صباح الخير يا أحمد، خير؟
قلتله
محتاجك تيجي مكتبي النهارده. فيه موضوع مهم بخصوص مشروع شارع عبد العزيز.
سكت لحظة قصيرة، وبعدين رد
حاضر، هكون عندك بعد ساعة.
قفلت المكالمة، وفضلت مستني.
طول الساعة دي، كنت بفتكر كل مرة وقفت فيها جنب سامح، وكل مرة ائتمنته فيها على حسابات الشركة.
كان راجل اشتغل مع أبويا سنين طويلة، وحضر جنازته، ووقف جنبي وأنا بستلم الإدارة.
كنت بعتبره من الناس اللي ممكن أعتمد عليهم من غير ما أراجع كل خطوة بيعملوها.
لكن الثقة مش معناها إننا نغمض عينينا عن الأسئلة.
ولما دخل مكتبي، لاحظت إنه كان متوتر، رغم إنه حاول يخفي ده.
قعد قدامي وقال
خير يا أحمد؟ إنت قلت إن الموضوع مهم.
حطيت صورة الخطاب القديم على المكتب، وقلت
فاكر المستند ده؟
بص للورقة، وملامحه اتغيرت.
ثواني قليلة، لكنها كانت كفاية تخليني أعرف إنه شافها قبل كده.
رفع عيني وقال
أيوه، ده خطاب قديم يخص العقار.
سألته
وليه طلبت نقل الملف من الأرشيف؟
اتعدل في قعدته وقال
أنا كنت بنفذ مراجعة داخلية، والملفات دي كانت محتاجة تتنقل لمكان آمن.
طيب، ليه مفيش سجل واضح يثبت إن المراجعة خلصت؟
رد بسرعة
يا أحمد، إحنا بنتكلم عن ملفات بقالها سنين. طبيعي يحصل نقص في بعض السجلات.
قلتله
والنقص ده يشمل كمان مستندات التحويلات المالية؟
سكت.
لأول مرة من ساعة ما دخل المكتب، ملقاش رد جاهز.
فتحت ملف الحسابات، ووريته أسماء الشركات اللي استلمت التحويلات، وطلبت منه يشرحلي طبيعة كل معاملة.
بدأ يتكلم عن مصروفات استشارية، وأتعاب مراجعة، وتكاليف إدارية.
لكن لما سألته عن العقود اللي بتثبت الخدمات دي، قال إنها موجودة في ملفات قديمة، وإنه محتاج وقت عشان يجمعها.
قلتله بهدوء
هتاخد الوقت اللي تحتاجه، لكن من النهارده، كل مستند يخص المشروع هيتراجع من خلال فريق مستقل، ومحدش هيكون مسؤول عن المراجعة لوحده.
ملامحه اتشدت.
إنت مش واثق فيا يا أحمد؟
السؤال كان صعب، لأن الإجابة الحقيقية إني مبقتش قادر أدي ثقتي لأي حد من غير ما أفهم الصورة كاملة.
قلتله
الثقة مش بديل عن المراجعة يا سامح. ولو كل حاجة سليمة، المراجعة هتثبت ده.
قام من مكانه، ولمّ أوراقه، وقال
زي ما تحب. بس افتكر إن والدك كان بيثق فيا أكتر من أي حد.
خرج من المكتب، وأنا فضلت مكاني.
الجملة الأخيرة ضايقتني، لأنها كانت محاولة واضحة إنه يرجعني لثقتي القديمة فيه بدل ما يجاوب على أسئلتي.
لكن أنا المرة دي قررت إني مش هتجاهل أي تفصيلة.
بعد يومين، وصل التقرير الأول من فريق المراجعة المستقل.
التقرير أكد وجود معاملات محتاجة مستندات إضافية، وإن فيه اختلافات في بعض الأوراق المستخدمة لتبرير مصروفات المشروع.
لكن التقرير نفسه أكد إننا لسه محتاجين فحص متخصص قبل ما نقدر نحدد إذا كانت الاختلافات ناتجة عن أخطاء إدارية، أو تزوير، أو أي مخالفة تانية.
طلبت إن كل النتائج تتوثق، وإن أي حق مالي يثبت إنه مستحق لسعاد أو للجهة الخيرية يتم التعامل معاه من خلال الإجراءات القانونية.
وفي وسط المراجعة، وصلني اتصال من الأستاذ فؤاد، المحامي القديم بتاع أبويا.
قاللي
يا أحمد، فيه حاجة افتكرتها بعد ما مشيت من عندي آخر مرة.
سألته
حاجة إيه؟
قال
قبل وفاة والدك بشهر تقريبًا، جالي بنفسه، وكان معاه ظرف فيه مستندات. طلب مني أحتفظ بيها، وقاللي إنك ممكن تحتاجها يومًا ما.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
والظرف ده فين دلوقتي؟
في خزنة المكتب القديم، لكن فيه ورقة جواه مكتوب عليها إن الظرف مايتفتحش إلا بحضورك وحضور شخص تاني.
سألته
مين الشخص التاني؟
رد
سعاد عبد الرحيم.
في اليوم التالي، روحت مع الأستاذ فؤاد لبيته، وكانت سعاد مستنيانا هناك.
حط قدامنا ظرف كبير، عليه توقيع أبويا وتاريخ واضح.
سعاد بصت للظرف، وإيديها بدأت ترتعش.
قالت بصوت واطي
أنا استنيت اللحظة دي سنين طويلة.
فتح الأستاذ فؤاد الظرف، وطلع منه عقد قديم، وخطاب بخط أبويا، وصورة لورقة عليها ختم رسمي.
بدأ يراجع المستندات، وبعدها مد العقد لسعاد.
كانت دي النسخة اللي بتثبت اتفاق الشراكة بينها وبين أبويا.
لكن المفاجأة مكنتش في العقد نفسه.
المفاجأة كانت في الخطاب المرفق بيه.
أبويا كتب فيه إنه، قبل وفاته، طلب من سامح يراجع الملف ويجهز إجراءات إعادة الحق لأصحابه، لكنه اكتشف إن بعض المستندات المطلوبة مش موجودة في الأرشيف.
وفي آخر الخطاب، كتب
أنا مش عارف إذا كان التأخير سببه الإهمال، ولا إن فيه حد مش عايز الملف ده يكتمل. عشان كده، سلمت النسخة الأصلية للأستاذ فؤاد، وطلبت منه يحفظها لحد ما أحمد يكون مستعد يعرف الحقيقة.
أنا مش عايز ابني يرث مشكلة أنا ساهمت في استمرارها، ولا عايزه يدفع تمن خطأ مش هو اللي بدأه.
لكن لو وصل لليوم ده، لازم يعرف إن مسؤوليته تبدأ من اللحظة اللي عرف فيها الحقيقة، مش من اللحظة اللي حصل فيها الخطأ.
خلصت قراءة الخطاب، وحسيت إن كلام أبويا بقى واضح أكتر من أي وقت فات.
هو كان عارف إن فيه مشكلة، وحاول يسيب دليل يساعدني أصلحها.
لكن ليه المستندات اتنقلت؟
وليه المراجعة متكملتش؟
الأسئلة دي كان لازم تتجاوب بالأدلة، مش بالتخمين.
الأستاذ فؤاد جمع المستندات، وقال إن النسخة الأصلية لازم تتقدم للفحص القانوني، عشان يتم التأكد من صحتها، وتحديد أثرها على الملكية والحقوق المرتبطة بالعقار.
سعاد كانت ساكتة طول الوقت.
وبعد ما خلصنا، بصتلي وقالت
يا أحمد، أنا مش عايزة منك فلوس زيادة، ولا عايزة أسببلك مشكلة. أنا كل اللي عايزاه إن حق جوزي يرجع، وإن الوعد اللي أبوك قطعه يتنفذ.
بصيتلها وقلت
لو المستندات أثبتت حقك، هعمل كل اللي يطلبه القانون عشان الحق يرجعلك.
هزت راسها، ودموعها لمعت في عينيها.
ده كل اللي كنت مستنياه.
وأنا راجع البيت، قررت أتصل بنهى فؤاد.
كنت محتاج أفهم ليه محامية منى كانت على علم بالملف القديم، وإيه اللي حصل خلال الشهور اللي فاتت.
ردت عليّا، وبعد ما شرحتلها إننا لقينا النسخة الأصلية من العقد، قالت
كويس إن المستند ظهر أخيرًا. لكن لازم تعرف إن منى كانت عايزة الموضوع يتحل من غير ما يتحول لخلاف بين العيلتين.
سألتها
طيب، ليه منى متمسكتش بالجواز لحد ما الموضوع يخلص؟
ردت بهدوء
لأن قرارها بالطلاق مكانش متعلق بالعقار، يا أستاذ أحمد. هي كانت بتفكر في مستقبلها من قبل ما نبدأ المراجعة القانونية.
سكتُّ.
كانت دي نفس النقطة اللي منى حاولت توصلها لي في رسالتها.
أنا كنت بدور على سبب واحد يفسر كل حاجة، لكن الحقيقة إن حياتنا كانت فيها مشكلات كتير تراكمت مع الوقت، ومش كلها مرتبطة بالملف القديم.
نهى كملت
فيه حاجة كمان. منى طلبت مني أحتفظ بمستند شخصي، وقالتلي إني أسلمهولك لو قررت تحترم قرارها، وتتعامل مع الموضوع من غير ضغط عليها.
سألتها
مستند إيه؟
قالت
رسالة قصيرة، هبعتهالك على عنوان مكتب محاميك.
قفلت المكالمة، وأنا مش عارف إذا كنت مستعد أقرأ رسالة جديدة من منى ولا لأ.
بعد يومين، وصلت الرسالة.
فتحتها بهدوء.
كان مكتوب فيها
أحمد،
عرفت إنك بدأت تراجع ملف العقار، وإنك طلبت وقف أي إجراءات جديدة لحد ما حقوق الناس تتحدد.
أنا سعيدة إنك أخيرًا قررت تسمع الحقيقة قبل ما تاخد قرار.
لكن عايزاك تفهم إن ده مش معناه إني مستنية أرجع لحياتنا القديمة.
أنا بتمنى لك الخير، وبتمنى إنك تنجح في إصلاح اللي تقدر عليه، لكن أنا محتاجة أكمل حياتي بعيد عن الضغط اللي كنت حاساه.
متبعتش حد يدور عليّا، ومتطلبش من حد يتدخل عشان يغيّر قراري.
لو فيه أي أمور قانونية محتاجة تواصل، المحامين هيقدروا يتعاملوا معاها.
منى.
قريت الرسالة مرتين.
المرة دي، محاولتش أدور بين السطور على إشارة إنها ممكن ترجع.
فهمت أخيرًا إن احترام قرارها مش مجرد إني أبطل أدور على مكانها.
احترام قرارها معناه إني أبطل أعتبر إن حياتها قرار أقدر أغيّره لمجرد إني أخيرًا بدأت أفهم غلطتي.
قفلت الرسالة، وطلبت من محاميّ يتابع الإجراءات القانونية الخاصة بالعقار والطلاق، من غير أي محاولة للتواصل الشخصي معاها.
لكن في نفس الليلة، حصلت حاجة مكنتش متوقعها.
المحاسب القانوني اتصل بيا، وقال إن فحص التوقيعات الأولي انتهى، وإن فيه مستند واحد تحديدًا ظهر عليه اختلاف يستدعي تحقيقًا أوسع.
سألته
المستند ده مين اللي قدمه؟
قال
المستند كان ضمن ملف اعتماد مصروفات مشروع التطوير، والتوقيع المنسوب لوالد حضرتك عليه لازم يتراجع من الجهة المختصة.
وبعدين أضاف
وفيه اسم موظف واحد كان مسؤول عن استلام المستند وإدخاله للنظام المالي.
سألته
مين؟
قال الاسم.
سامح البدري.
لكن قبل ما أقدر أستوعب المعلومة، وصلني إيميل تاني من نهى فؤاد، فيه مرفق جديد.
كان صورة من رسالة قديمة بعثها سامح لأبويا قبل وفاته بأيام.
فتحتها، وقرأت أول سطر
أستاذ محمود، أنا نفذت تعليمات حضرتك بخصوص نقل الملف، لكن فيه مشكلة ظهرت، ولازم نتكلم قبل ما أحمد يعرف أي حاجة.
فضلت باصص للشاشة.
الرسالة كانت بتشير إن سامح نقل الملف بناءً على تعليمات أبويا نفسه، مش من تلقاء نفسه، وده معناه إن الصورة اللي كنت ببنيها عن الموضوع لسه ناقصة.
هل سامح كان بيحاول يخفي الحقيقة؟
ولا كان بينفذ تعليمات أبويا، وبعد وفاته حصلت أخطاء أو قرارات جديدة غيّرت مسار الملف؟
فتحت المرفق التاني اللي كان مع الإيميل.
كان فيه رد من أبويا على رسالة سامح، مكتوب قبل وفاته بيومين بس.
لكن أول ما قرأت الرد، حسيت إن
كل اللي عرفته لحد اللحظة دي محتاج مراجعة من جديد.
لأن أبويا كتب جملة واحدة واضحة
يا سامح، متنفذش أي خطوة تانية قبل ما تتكلم مع منى هي الوحيدة اللي معاها المستند اللي ناقصنا.
رفعت عيني عن الشاشة.
منى!
مراتي كانت معاها المستند الناقص قبل وفاة أبويا؟
إزاي؟
وإيه اللي خلا أبويا يطلب من سامح إنه يتكلم معاها هي تحديدًا؟
والأهم من ده كله
هل منى كانت تعرف الحقيقة كاملة من البداية، ولا هي نفسها اكتشفت جزءًا من السر بعد ما بدأت تراجع الأوراق؟
فضلت طول الليل قاعد في مكتبي، قدامي رسالة أبويا، ومش قادر أستوعب معناها.
متنفذش أي خطوة تانية قبل ما تتكلم مع منى هي الوحيدة اللي معاها المستند اللي ناقصنا.
إزاي منى كان معاها مستند يخص أملاك أبويا قبل وفاته؟ وإزاي أنا، اللي كنت أقرب واحد ليه، معرفش أي حاجة عن الموضوع ده؟
تاني يوم الصبح، اتصلت بالأستاذ فؤاد، المحامي القديم، وحكيتله عن الرسالة.
سكت شوية، وبعدين قال
يا أحمد، أنا افتكرت حاجة ممكن تساعدنا. قبل وفاة والدك بشهر تقريبًا، منى جت معاه المكتب مرة واحدة. وقتها أنا كنت مسافر، والموظف اللي استقبلهم قاللي إنهم كانوا بيتكلموا عن ملف قديم يخص عيلة عبد الرحيم.
سألته بسرعة
يعني منى كانت تعرف أبويا كان بيعمل إيه؟
قال
على الأغلب كانت تعرف جزء من الموضوع، لكن مش هقدر أجزم إنها كانت تعرف كل التفاصيل.
قفلت المكالمة، وقررت أرجع لكل الأوراق اللي كانت في بيت أبويا.
كان عندي مخزن صغير في الفيلا القديمة، فيه حاجات كتير احتفظنا بيها بعد وفاته. طلبت من الحارس يفتحلي المخزن، وبدأت أراجع الصناديق بنفسي.
بعد ساعتين من البحث، لقيت صندوق خشب صغير كنت فاكره من طفولتي.
فتحته، فلقيت صور قديمة، وساعات أبويا، ومجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق.
لكن وسط الخطابات، لقيت ظرف مكتوب عليه
مستندات منى تُسلَّم لصاحبتها شخصيًا.
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
جواه كانت فيه نسخة من شهادة استلام، بتاريخ قبل وفاة أبويا بحوالي شهرين، ومكتوب فيها إن منى استلمت مستندًا أصليًا على سبيل الأمانة، على أن تعيده للجهة القانونية المختصة عند طلبه.
لكن اسم المستند نفسه كان متشال من النسخة اللي قدامي.
وفي أسفل الورقة كان فيه توقيع أبويا، وتوقيع شاهدين.
يعني منى مكنتش بتخبي مستند لنفسها.
كانت محتفظة بأمانة سلّمها لها أبويا.
رجعت للشقة، واتصلت بمحاميّ، وطلبت منه يتأكد من صحة الورقة، ويحدد الجهة اللي المفروض تستلم المستند.
بعدها بدقائق، لقيت ظرفًا صغيرًا تاني تحت الخطابات.
كان فيه ورقة مكتوبة بخط أبويا، موجهة ليا.
يا أحمد،
لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى غالبًا بدأت تراجع الملفات القديمة.
أنا عارف إنك ممكن تستغرب ليه اخترت منى عشان أحتفظ عندها بالمستند، لكن القرار ده مكنش له علاقة بأنها مراتك، ولا لأنها فرد من عيلتنا.
أنا اخترتها لأنها الوحيدة اللي سألتني عن حق سعاد من غير ما تسألني الأول هنتكلف كام عشان نرجعه.
لما حكيتلها عن الاتفاق القديم، قالتلي إن الحق ملوش علاقة بصاحب الشركة ولا بحجم فلوسه.
ومن يومها، عرفت إنها هتحافظ على المستند لحد ما ييجي الوقت المناسب.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
أبويا اختار منى لأنها كانت أمينة على حق مش حقها.
لكن ده فتح سؤال أصعب.
ليه منى احتفظت بالمستند كل الفترة دي، ومقالتليش عنه بشكل مباشر؟
وهل كانت بتحاول تحمي الأمانة، ولا كانت خايفة من حاجة تانية؟
في نفس اليوم، طلبت من المحامي يتواصل مع نهى فؤاد، ويبلغها إننا لقينا شهادة الاستلام، وإننا مستعدين نستكمل الإجراءات القانونية لتسليم المستند للجهة المختصة.
بعد ساعات، ردت نهى وقالت إن منى بالفعل سلّمت المستند الأصلي من فترة قصيرة لمكتب قانوني مستقل، وإنها احتفظت بإيصال رسمي يثبت التسليم.
طلبت منها نسخة من الإيصال، ووصلتني في نفس المساء.
كان واضح إن منى عملت كل حاجة بطريقة قانونية، وإنها مكنتش بتحاول تستفيد من المستند لنفسها، ولا تمنعني من الوصول للحقيقة.
هي ببساطة كانت بتحافظ على أمانة أبويا لحد ما تقدر تسلّمها للمكان الصحيح.
لكن اللي مكنتش فاهمه هو ليه أبويا ماقالليش أي حاجة عن الموضوع.
وليه سامح كان بيطلب منه تأجيل خطوات معينة؟
قررت أقابل سامح مرة تانية، لكن المرة دي بحضور المستشار القانوني للشركة، عشان كل الكلام يتوثق رسميًا.
لما دخل، حطيت قدامه صورة رسالة أبويا.
قلتله
عايز أفهم معنى الكلام ده. أبويا طلب منك تتكلم مع منى، لكن إنت نقلت الملف من الأرشيف. إيه اللي حصل بالظبط؟
سامح بص للرسالة طويلًا، وبعدها اتنهد.
يا أحمد، أنا عارف إن شكلك دلوقتي شايفني مسؤول عن كل اللي حصل، لكن الحقيقة مش بالبساطة دي.
قلتله
يبقى احكيلي الحقيقة.
بدأ كلامه بهدوء.
والدك اكتشف قبل وفاته إن ملف العقار ناقص، وإن فيه اختلافات بين الاتفاق الأصلي والمستندات اللي الشركة كانت بتستخدمها. طلب مني أجمع كل الأوراق وأوقف أي إجراء جديد لحد ما الموضوع يتراجع.
وده يفسر نقل الملفات؟
أيوه. نقلتها لمخزن خارجي بناءً على تعليماته، عشان محدش يعتمد على نسخة ناقصة أو يستخدمها في أي إجراء جديد قبل ما نراجع الأصل.
سألته
طيب، ليه مفيش تقرير نهائي للمراجعة؟
نزل عينيه للأرض.
لأن والدك توفي قبل ما المراجعة تخلص. وبعد وفاته، الشركة كانت بتمر بمرحلة انتقالية، والملف اتأجل وسط مشاكل كتير.
والتحويلات المالية اللي ظهرت في التقرير؟
قال بسرعة
دي لازم تتراجع واحدة واحدة. أنا مش هقدر أقولك إنها سليمة من غير المستندات، لكن فيه فواتير وعقود ممكن تكون لسه في الأرشيف القديم.
قلتله
وإيه علاقتك بشركة البدري للاستشارات؟
اتردد شوية، وبعدين قال
الشركة دي كان ليها تعاقدات مع شركتنا في أكتر من مشروع، وبعضها كان تحت إشرافي. ولو فيه أي مستند ناقص، أنا مستعد أقدمه للمراجعة.
المستشار القانوني تدخل وقال إن كل التعاملات هتخضع لفحص مستقل، وإن أي مسؤولية هتتحدد بناءً على الأدلة.
سامح وافق، لكن قبل ما يمشي، بصلي وقال
فيه حاجة لازم تعرفها يا أحمد. أبوك كان خايف إنك لما تعرف موضوع العقار، تتعامل معاه باعتباره أزمة مالية لازم تخلص بسرعة. كان عايزك تفهم إن فيه ناس مستنية حقها من سنين، وإن الموضوع محتاج عدل قبل ما يحتاج فلوس.
الكلام وجعني، لأنه كان قريب جدًا من الحقيقة اللي بدأت أفهمها عن نفسي.
أنا كنت متعود أحل المشاكل بسرعة، وأحيانًا كنت بعتبر إن الحل المالي كفاية، من غير ما أسأل إذا كان أصل المشكلة اتحل فعلًا.
لكن المرة دي، قررت أسمع كل الأطراف، وأراجع كل مستند، وأسيب القانون يحدد الحقوق والمسؤوليات.
بعد أسبوعين من المراجعة، ظهرت نتائج أوضح.
المستند الأصلي أثبت إن لسعاد حقًا في جزء من ملكية العقار، وإن فيه التزامًا قديمًا مرتبطًا بتخصيص جزء من دخل المبنى لجهة خيرية.
وفي المقابل، بعض التحويلات المالية فضلت محتاجة مراجعة إضافية، لأن المستندات اللي بتبررها كانت ناقصة.
الشركة بدأت الإجراءات القانونية لتصحيح الملكية، والتفاوض مع أصحاب الحقوق، ومراجعة كل التعاقدات المرتبطة بالمشروع.
أما سامح، فتم إبعاده مؤقتًا عن إدارة الملف لحد ما المراجعة المستقلة تخلص، من غير ما نصدر أي حكم مسبق على مسؤوليته.
ولأول مرة، حسيت إننا بنمشي في الاتجاه الصح.
مش لأن الأزمة انتهت، لكن لأننا أخيرًا بطلنا نهرب من الأسئلة.
وفي وسط انشغالي بكل ده، وصلني اتصال من رقم نهى فؤاد.
رديت، فقالت
يا أستاذ أحمد، فيه طلب من مدام منى بخصوص بعض المستندات الشخصية اللي لسه موجودة في الشقة القديمة.
قلت
طبعًا، كل حاجتها تتسلم بالطريقة اللي تناسبها.
قالت
هي مش عايزة حد من طرف حضرتك يروح لها، ولا عايزة أي محاولة للتواصل الشخصي. لكنها طلبت مني أبلغك إنها هتبعت شخص يستلم الحاجات في موعد محدد.
وافقت فورًا.
وبعد ما قفلت، قعدت أفكر في كل اللي حصل.
كنت في البداية عايز أعرف منى راحت فين، وليه مشيت، وإزاي أقدر أرجعها.
لكن مع الوقت، فهمت إن الأسئلة دي مش هتتجاوب بالطريقة اللي كنت متخيلها، وإن قرارها لازم يفضل قرارها.
مكنتش عارف إذا كانت هتسامحني يومًا ما، ولا إذا كان فيه أي احتمال إننا نتكلم تاني.
لكن بقيت عارف إن إصلاح أخطائي مش المفروض يكون ثمنه إنها ترجع.
بعد كام يوم، وصلني ظرف من نهى فؤاد.
كان جواه ورقة واحدة بخط منى.
أحمد،
عرفت إنك بدأت تصلح موضوع العقار، وإنك بتراجع الحسابات من خلال جهة مستقلة.
أنا كنت بتمنى إن ده يحصل من زمان، مش عشان نرجع لبعض، لكن عشان الحق يرجع لأصحابه، ومحدش يفضل شايل نتيجة أخطاء الماضي.
أنا مش ندمانة على القرار اللي أخدته، ومش عايزاك تعتبر إن أي تحسن في الأمور القانونية معناه إن حياتنا ممكن ترجع زي الأول.
لكن أتمنى إنك تتعلم تسمع الناس اللي بتحبك قبل ما تضطر تخسر وجودهم.
أتمنى لك الخير.
منى.
قرأت الرسالة، وحطيتها في درج مكتبي.
المرة دي، مكنش عندي رغبة إني أتصل بالمحامية وأسألها إذا كانت منى ممكن تغيّر رأيها.
اكتفيت إني احترمت كلامها.
وبدأت أراجع طريقتي في إدارة الشركة، وعلاقتي بالناس اللي حواليا، وقراراتي اللي كنت باخدها من غير ما أدي فرصة لحد يشرحلي الصورة كاملة.
أما سعاد، فبدأت إجراءات استرداد حقها، واتفقنا إن كل خطوة هتتم من خلال المحامين، وبمستندات واضحة تحفظ حقوق كل الأطراف.
وبعد شهور من العمل، اتصححت سجلات الملكية، واتعملت تسوية قانونية للحقوق اللي ثبتت بالمستندات، واتخصص جزء من دخل العقار للجهة الخيرية وفقًا للاتفاق الأصلي.
في اليوم اللي اتوقعت فيه آخر ورقة تخص التسوية، رجعت البيت وفتحت درج مكتبي.
طلعت رسالة منى الأولى، اللي كانت بتتكلم فيها عن السنين اللي قضتها وهي بتحاول توصلّي إنها محتاجة شريك يسمعها، مش مجرد شخص يوفر لها حياة مريحة.
وقتها بس فهمت إن المشكلة مكنتش في الفلوس، ولا في العقار، ولا حتى في السر القديم اللي أبويا سابه.
المشكلة كانت إني اتعودت أفتكر إن وجود الناس في حياتي مضمون، وإن أي مشكلة ممكن أأجلها لبعدين.
لكن فيه حاجات، لما بتتأجل كتير، بييجي وقت بيبقى فيه القرار خلاص اتاخد.
منى بدأت حياة جديدة بعيد عني، وأنا بدأت أتعلم إزاي أعيش من غير ما أعتبر إن كل حاجة لازم ترجع زي ما كانت عشان أكون بخير.
ومعرفتش إذا كانت قرأت يومًا آخر رسالة كتبتها لها ومبعتهاش، ولا إذا كانت سمعت عن اللي حصل في العقار.
لكن الرسالة فضلت في درج مكتبي، مكتوب فيها
أنا آسف إني فهمت قيمة كلامك بعد ما بطلتِ تحاولي تشرحِيلي.
مش هطلب منك ترجعي، ومش هقولك إني اتغيرت عشان تستنيني.
كل اللي أقدر أعمله دلوقتي إني أصلح اللي أقدر عليه، وأحترم القرار اللي أخدتيه.
قفلت الدرج، ورجعت لمكتبي.
ولأول مرة من سنين، فهمت إن الاعتراف بالغلط مش معناه إننا هنقدر نرجع كل حاجة خسرناها.
أحيانًا، أكبر درس بنتعلمه من خسارتنا مش إزاي نرجّع اللي مشي، لكن إزاي منكررش نفس الغلط مع الناس اللي لسه موجودة في حياتنا.
بعد مرور سنة كاملة، أحمد كان اتغير فعلًا، مش بالكلام ولا بالوعود، لكن بالأفعال.
بقى بيسمع موظفينه قبل ما ياخد قرارات، وبقى بيخصص وقت لعيلته، وبطل يتعامل مع كل مشكلة كأنها مجرد أرقام تتحل بشيك.
أما قضية العقار، فاتقفلت إجراءاتها القانونية بعد ما كل طرف استرد حقه اللي أثبتته المستندات، واتحفظت الأوراق في أرشيف مستقل عشان الغلطة دي متتكررش.
وفي يوم، وهو خارج من اجتماع في وسط البلد، لمح منى واقفة قدام مكتبة صغيرة، بتتكلم مع ست كبيرة في السن.
وقف مكانه للحظة.
كانت منى بتضحك، ووشها مرتاح بطريقة مكنش شافها فيها من سنين.
فكر يروح يسلم عليها، لكنه افتكر كلامها، وإنها طلبت منه يحترم المسافة اللي اختارتها.
فكمل طريقه من غير ما يقرب.
بعدها بدقايق، موبايله رن. كانت نهى فؤاد، المحامية اللي تابعت إجراءات الطلاق.
قالتله
أحمد، منى عرفت إنك كنت موجود النهارده، وطلبت مني أوصلك رسالة.
قلبه دق بسرعة، وسألها
قالت إيه؟
ردت بهدوء
قالت إنها بتتمنى لك حياة كويسة، وإنها سعيدة إنك أخيرًا بقيت الشخص اللي كانت بتحاول تتكلم معاه طول السنين اللي فاتت. لكنها مش ناوية ترجع، وعايزاك متفهمش كلامها على إنه دعوة لبداية جديدة بينكم.
سكت أحمد شوية، وبعدين قال
وصلتلها إني بتمنالها الخير أنا كمان، ومش هحاول أغيّر قرارها.
قفل المكالمة، وفضل ماشي وسط الزحمة.
كان جواه وجع، لكنه لأول مرة مكنش بيحاول يهرب منه، ولا بيحاول يفرض على الحياة نهاية هو اللي يختارها.
افتكر أبوه، وسعاد، والسنين اللي ضاعت بسبب السكوت والتأجيل، وفهم إن الحقيقة ساعات بتتأخر، لكن تأخيرها مش معناه إننا نقدر نرجع الزمن.
وفي المساء، رجع البيت، فتح الدرج، وطلع رسالة منى الأخيرة.
قراها مرة كمان، وبعدها حطها في ظرف وكتب عليه
درس اتعلمته متأخر لكن مش هنساه.
ومن اليوم ده، مبقاش أحمد مستني منى ترجع عشان يثبت إنه اتغير.
اتغير لأنه أخيرًا فهم إن الحب مش امتلاك، وإن الاعتذار مش ضمان للمسامحة، وإن احترام قرار شخص بنحبه ممكن يكون أصعب من محاولة