كانت لسه نايمه حكايات زيزي

لمحة نيوز


محتاجة مراجعة.
ومع ذلك، مكنش ده أكتر شيء شاغلني.
كنت عايز أعرف ليه منى شالت الحمل ده كله لوحدها.
سألت سعاد
آخر مرة شفتيها، قالتلك إنها هتعمل إيه؟
بصتلي بحزن وقالت
قالتلي إنها هتسلّم كل المستندات لمحامي مستقل، عشان الحق يرجع لصاحبه بالطريقة القانونية، وإنها مش عايزة تستخدم الموضوع للضغط على حد.
وبعدها؟
بعدها قالتلي إنها أخيرًا قررت تبدأ حياة جديدة، وإنها مش هتفضل مستنية حد يسمعها طول العمر.
نزلت عيني للأرض.
لأول مرة، بدأت أفهم إن منى مكنتش بتحاول تعاقبني.
هي كانت بتحاول تعمل الصح، وفي نفس الوقت تنقذ نفسها من حياة بقت بتتعبها.
وقبل ما أمشي، سعاد نادتني
يا أحمد، استنى.
لفيت ناحيتها.
قالت
فيه حاجة منى طلبت مني أقولها لك لو جيت هنا بنفسك.
قربت منها وسألت
إيه هي؟
طلعت ورقة صغيرة من جيب الملف، ومدتهالي.
كان مكتوب فيها
لو أحمد وصل للحقيقة، قوله إن فيه فرق بين إنه يصلح غلط قديم، وإنه يحاول يرجع كل حاجة زي ما كانت.
مش كل حاجة بنخسرها ينفع نرجعها، لكن ده مش معناه إننا منصلحش اللي لسه في إيدينا.
فضلت باصص للكلام فترة طويلة.
وبعدين سألت سعاد
هي قالتلك أي حاجة عن مكانها؟
هزت راسها.
لأ، وأنا احترمت رغبتها ومطلبتش أعرف.
خرجت من البيت وأنا شايل صور العقود، ونسخ المستندات، وكلام منى اللي بقى بيتردد في دماغي.
أول ما ركبت عربيتي، اتصلت بمحامي الشركة وطلبت منه يوقف أي إجراء جديد متعلق بالعقار لحد ما نراجع الملكية بالكامل، ونتأكد إن حقوق كل الأطراف محفوظة.
وبعدها اتصلت بمحامي الطلاق، وطلبت منه يوضحلي كل التفاصيل القانونية، من غير ما أحاول أتجاوز قرار منى أو أضغط عليها.
كنت لسه مش عارف إذا كان ممكن أصلح أي حاجة بيني وبينها.
لكن كنت عارف إن فيه حاجات لازم أعملها، حتى لو مفيش أي أمل إنها ترجع.
وفي اللحظة اللي كنت فيها على وشك أشغل العربية، موبايلي رن.
رقم غير مسجل.
رديت وقلت
ألو؟
سمعت صوت راجل كبير في السن بيقول
أستاذ أحمد الشناوي؟
أيوه، مين معايا؟
قال
اسمي عادل منصور، وأنا كنت المحاسب الخاص بوالدك قبل وفاته. عرفت إنك بدأت تراجع ملف العقار القديم، وعندي معلومة لازم تعرفها قبل ما تاخد أي قرار.
شدّيت إيدي على التليفون.
معلومة إيه؟
قال بصوت متردد
النسخة الأصلية من الاتفاق بين والدك وعبد الرحيم مش عند الأستاذ فؤاد، ومش عند الست سعاد.
سألته
أمال فين؟!
سكت ثواني، وبعدين قال
النسخة الأصلية موجودة في مكان محدش فكر يدور فيه، ووالدك بنفسه طلب مني أخفيها هناك.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
المكان ده فين؟
رد بجملة واحدة قلبت كل حساباتي
في أرشيف شركتك يا أستاذ أحمد، جوه ملف مشروع اتنفذ من سنين، ومحدش فتحه من يوم ما والدك مات.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، قال
بس فيه مشكلة أنا مش الوحيد اللي عارف مكان الملف ده.
وبعدين قفل الخط.
فضلت ماسك التليفون، وبصيت للمستندات اللي جنبي.
مين الشخص التاني اللي عارف مكان العقد؟
وليه أبويا اختار يخفي أهم ورقة في تاريخ العقار جوه شركتي أنا؟
والأهم من ده كله هل منى اكتشفت مكان العقد قبل ما تمشي، ولا لسه فيه جزء أخير من الحقيقة محدش عرفه لحد دلوقتي؟
رجعت الشركة بسرعة، وطلبت من مدير الأرشيف يقابلني في مكتبي فورًا.
كنت طول الطريق بفكر في مكالمة عادل منصور.
مين الشخص التاني اللي يعرف مكان العقد؟
وليه أبويا يخبّي مستند مهم بالشكل ده جوه شركتي، من غير ما يقولي؟
بعد حوالي عشرين دقيقة، دخل عليّا راجل اسمه شريف، مسؤول الأرشيف من أكتر من خمستاشر سنة.
قلتله من غير مقدمات
يا شريف، عايزك تفتحلي أرشيف المشاريع القديمة، وتحديدًا الملفات اللي اتقفلت قبل وفاة والدي.
استغرب وسألني
فيه مشروع معين يا فندم؟
مشروع العقار الموجود في شارع عبد العزيز. عايز كل ورقة تخصه، من أول يوم اتسجل فيه لحد آخر إجراء اتعمل عليه.
وشه اتغير أول ما سمع اسم العقار.
التغيير كان بسيط، لكنه كان كفاية يخليني آخد بالي.
سألته
إنت تعرف حاجة عن المشروع ده؟
رد بسرعة
لا يا فندم، أنا بس فاكر إن الملف قديم جدًا.
بصيتله في عينه وقلت
طيب، افتحه قدامي.
خرج من المكتب، وبعد حوالي ربع ساعة رجع ومعاه صندوق ملفات كبير.
حطه على الترابيزة وبدأ يراجع الأوراق واحدة واحدة.
وأنا بقلب في المستندات، لقيت ملف عليه عنوان مختلف عن باقي الملفات
مشروع تطوير شارع عبد العزيز مراجعة داخلية.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت تقرير مالي قديم، وبعدها مراسلات بين الإدارة القانونية والحسابات، وفي آخر الملف لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيد أبويا
لا يتم اعتماد المشروع قبل مراجعة أصل اتفاق الشراكة.
رفعت عيني لشريف وسألته
إنت شوفت الورقة دي قبل كده؟
اتردد شوية، وبعدين قال
أعتقد إني شفتها من سنين، بس مش فاكر التفاصيل.
مش فاكر ولا مش عايز تقول؟
وشه اصفر، وقعد على الكرسي اللي قدامه.
وبعد صمت طويل، قال
يا فندم، أنا كنت مجرد موظف، وكنت بنفذ التعليمات اللي بتجيلي.
حسيت إن فيه حاجة بيخبيها.
قلتله بهدوء
محدش بيتهمك بحاجة. أنا عايز أعرف الحقيقة بس.
تنهد، وبعدين قال
من حوالي أربع سنين، قبل وفاة والد حضرتك بفترة، جالي طلب من الإدارة العليا بنقل مجموعة ملفات قديمة لمخزن خارجي. وكان من ضمنها ملف المشروع ده.
مين اللي طلب منك تنقلها؟
نزل عينيه للأرض وقال
الأستاذ سامح البدري.
الاسم ده خلاني أسكت.
سامح البدري كان المدير المالي للشركة، وواحد من أكتر الناس اللي أبويا كان بيثق فيهم. وبعد وفاة أبويا، هو اللي ساعدني أراجع الحسابات وأستلم الإدارة.
لكن في آخر سنتين، بقى مسؤول عن جزء كبير من التوسعات الجديدة، وكنت معتمد عليه في كل التفاصيل المالية تقريبًا.
سألته
وسامح قالك تنقل الملفات ليه؟
قال إن فيه مراجعة داخلية، وإن الملفات القديمة لازم تتنقل لمكان آمن لحد ما المراجعة تخلص.
والمراجعة خلصت؟
هز راسه.
معرفش يا فندم. أنا نفذت التعليمات، وبعدها الملفات دي مبقتش في الأرشيف الرئيسي.
قمت من مكاني وقلت
هاتلي عنوان المخزن الخارجي، وكل المستندات الخاصة بنقل الملفات.
بعد حوالي ساعة، كنت واقف قدام مخزن قديم في منطقة صناعية على أطراف القاهرة.
المكان كان مقفول، والتراب مغطي الباب، لكن مسؤول المخزن أكد إن فيه ملفات قديمة لسه موجودة جوه.
دخلنا، وبدأنا ندور بين الرفوف المعدنية.
بعد بحث طويل، لقينا كرتونة مكتوب عليها اسم شركة أبويا القديمة.
فتحتها، وبدأت أراجع محتوياتها.
كان فيها عقود وفواتير وتقارير حسابات، لكن مفيش أثر للاتفاق الأصلي.
كنت خلاص هطلب من الموظفين يراجعوا باقي الكراتين، لما لمحت ظرف صغير محشور تحت قاعدة خشب في آخر الرف.
طلعته.
كان عليه اسم أبويا، وتاريخ قبل وفاته بشهرين.
فتحت الظرف، ولقيت ورقة مكتوب فيها
إلى أحمد، لو وصلت للمستند ده، يبقى فيه احتمال إنك بدأت تفهم اللي حصل.
العقار مش هو المشكلة الوحيدة.
المشكلة إن فيه ناس اتعودت تتعامل مع ثقتك باعتبارها فرصة، مش مسؤولية.
راجع حسابات مشروع التطوير، وخصوصًا التحويلات اللي تمت بعد وفاتي.
متتهمش حد قبل ما تتأكد، لكن متسمحش لحد يخليك تتجاهل الحقيقة لمجرد إنك واثق فيه.
قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين قلبت الورقة، فلقيت جدول صغير فيه أرقام حسابات وتواريخ تحويلات مالية.
كل التحويلات كانت مرتبطة بمشروع تطوير العقار.
والغريب إن بعضها تم بعد وفاة أبويا بشهور.
اتصلت بالمحاسب القانوني للشركة، وبعتله صور المستندات، وطلبت منه يراجع كل التحويلات المرتبطة بالمشروع، من غير ما يشارك النتائج مع أي حد قبل ما نتأكد منها.
كنت بدأت أحس إن الموضوع مش مجرد خلاف قديم على ملكية عقار.
كان فيه حسابات محتاجة مراجعة، وقرارات اتاخدت من غير ما أفهم أسبابها، وشخص جوه شركتي ممكن يكون عنده معلومات أنا معرفهاش.
لكن وسط كل ده، كان اسم منى بيرجع لدماغي.
هي اللي بدأت تدور على أصل الحكاية.
وهي اللي وصلت لسعاد.
وهي اللي حاولت تحذرني قبل ما تقرر تنهي الجواز.
وفجأة، افتكرت حاجة.
قبل الطلاق بحوالي شهر، منى طلبت مني نسخة من تقرير مالي قديم، وقالت إنها محتاجاه عشان تتأكد من معلومة تخص ميراث والدي.
وقتها قلتلها إن الملفات دي مع الإدارة المالية، وإنها لو محتاجة حاجة تكلم سامح.
أنا بنفسي وجهتها للشخص اللي ظهر اسمه في نقل الملفات!
حسيت بغصة في حلقي.
هل منى كانت اكتشفت حاجة تخص سامح؟
وهل ده كان سبب سكوتها؟
ولا كانت بتحاول تحميني من قرار متسرع ممكن يضيّع حقي وحق غيري؟
رجعت الشركة في نفس اليوم، وطلبت من المحاسب القانوني يقابلني.
دخل مكتبي بعد المغرب، وحط قدامي تقرير مبدئي.
قال
يا أستاذ أحمد، لسه محتاجين نراجع المستندات الأصلية، لكن فيه تحويلات مالية محتاجة تفسير. بعض المبالغ اتسجلت باعتبارها مصروفات استشارية، من غير ما يكون معاها مستندات كافية توضح الخدمة اللي اتدفعلها الفلوس.
سألته
والمبالغ دي راحت لمين؟
رد
فيه أكتر من جهة، لكن فيه شركة واحدة تكررت في التحويلات بشكل لافت.
مد إيده ووراني الاسم.
شركة البدري للاستشارات المالية.
فضلت باصص للاسم.
الشركة دي كانت مرتبطة بسامح.
لكن ده لوحده مكنش دليل على وجود مخالفة؛ ممكن تكون فيه خدمات حقيقية اتقدمت، وممكن تكون المستندات ناقصة لأسباب إدارية.
عشان كده طلبت منه يكمل المراجعة، ويجمع كل العقود والفواتير، ويتأكد من كل مبلغ قبل ما ناخد أي إجراء.
وبعد ما خرج، قعدت لوحدي في المكتب.
كنت لأول مرة من سنين مش عارف أثق في مين.
أبويا سابلي شركة كبيرة، لكن سابلي معاها ملفات قديمة وأسئلة ملهاش إجابات.
ومنى، اللي كنت فاكر إني عارفها أكتر من أي حد، اكتشفت إنها كانت شايفة جوانب في حياتي أنا نفسي مكنتش شايفها.
مسكت موبايلي وفتحت آخر رسالة كانت بعتها لي قبل ما تمشي.
كانت رسالة عادية جدًا، بتسألني فيها إذا كنت هقدر أرجع البيت بدري عشان نتكلم.
أنا رديت عليها بكلمتين
مش هقدر النهارده. نخليها بعدين.
الكلمتين دول كانوا آخر رد مني قبل ما تبدأ الإجراءات القانونية.
فضلت باصص للشاشة، وبعدين قفلت الموبايل.
مكنش من حقي أطلب منها ترجع لمجرد إني بدأت أفهم غلطتي.
لكن كان من حقي أصلح اللي أقدر أصلحه، وأتأكد إن مفيش حد اتظلم بسببي أو بسبب إهمالي.
في صباح اليوم التالي، وصلني اتصال من رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول
أستاذ أحمد، أنا عارف إنك بتراجع ملفات مشروع شارع عبد العزيز.
سألته
مين معايا؟
قال
مش مهم اسمي دلوقتي. المهم إنك لازم تعرف إن الأستاذ سامح مش الشخص الوحيد اللي عنده نسخة من المستندات القديمة.
اتعدلت في قعدتي.
أمال مين عنده نسخة تانية؟
قال
الشخص اللي معاه النسخة الأصلية هو نفسه الشخص اللي مدام منى قابلته قبل ما تمشي.
حسيت إن نفسي وقف.
إنت تعرف منى؟!
رد
أنا مش هقدر أقولك أي تفاصيل في التليفون. لكن لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، تعال بكرة الساعة عشرة الصبح على العنوان اللي هبعتهولك.
وقبل ما أقفل، سألته
وليه أصدقك؟
رد بجملة واحدة
لأن مدام منى سابت عندي أمانة تخصك، وقالتلي مدّها لك بس لما تبدأ تدور على الحقيقة بنفسك، مش لما تحاول ترجعها غصب عنها.
وبعدها بعتلي رسالة فيها عنوان مكتب صغير في وسط البلد.
طول الليل مغمضتش عيني.
مش عشان كنت بفكر في الشركة وبس، لكن عشان لأول مرة بدأت أفهم إن منى مكنتش بتحاول تختفي من حياتي وخلاص.
هي كانت بتحاول تسيبلي فرصة أفهم حاجات فضلت سنين بتعدّي من قدامي وأنا مش واخد بالي.
تاني يوم، وصلت العنوان قبل المعاد بعشر دقايق.
المكتب كان في عمارة قديمة، وفي الدور التاني لقيت راجل في الخمسينات مستنيني.
أول ما دخلت، قام من مكانه وقال
أهلًا يا أستاذ أحمد. أنا خالد عبد الرحيم.
بصيتله باستغراب.
عبد الرحيم؟ إنت قريب سعاد؟
هز راسه.
أيوه. أنا ابن أختها، وكنت بساعدها في مراجعة أوراق العقار.
قعدنا، وطلع من درج مكتبه ملف أبيض.
قال
منى جتلي من شهور، وطلبت مني أساعدها أوصل للمستند الأصلي. وبعد مراجعة طويلة، اكتشفت إن النسخة موجودة بالفعل، لكن مش في المكان اللي كنا متوقعينه.
سألته
فين؟
فتح الملف، وطلع صورة لعقد قديم، وقال
العقد الأصلي كان محفوظ مع مستندات جهة خيرية أسسها والدك من سنين، وكان مخصص جزء من دخل العقار لمساعدتها.
بصيتله بصدمة.
جهة خيرية؟ أبويا عمره ما حكالي عن الموضوع ده!
قال خالد
لأن الجهة دي توقفت عن العمل من سنين، بعد ما اتعطلت التحويلات اللي كانت بتمولها. وكان فيه ناس مستفيدة من استمرار الوضع من غير مراجعة.
سألته
ومين المسؤول عن التحويلات دي؟
رد
لسه مفيش دليل كافي نقدر نتهم بيه حد. لكن منى اكتشفت إن فيه مستندات ناقصة، وإن لازم تتراجع كل الحسابات من البداية.
مد إيده وطلع ظرف صغير.
دي الأمانة اللي سابتهالك.
فتحت الظرف، ولقيت جواب بخط منى.
أحمد،
أنا عارفة إنك ممكن تكون بدأت تكتشف دلوقتي حاجات مكنتش تعرفها عن والدك، وعن الشركة، وعن حقوق ناس تانية.
أنا مش عايزاك تحكم على حد من غير دليل، ومش عايزاك تعتبر إن كل اللي اكتشفناه معناه إن أبوك كان شخص سيئ.
كل إنسان ممكن يغلط، لكن المهم هو إحنا هنعمل إيه لما نعرف الحقيقة.
أنا سبتلك المستندات دي عشان تقدر تراجعها بنفسك، وتقرر إزاي
 

تم نسخ الرابط