كانت لسه نايمه حكايات زيزي
إنك تسمعني للآخر، حتى لو اللي هقوله مش هيعجبك.
أنا عارفة إنك بتحب والدك، وعارفة إن الكلام عن أخطاء حصلت في الماضي ممكن يكون صعب عليك، لكن الحق لازم يرجع لأصحابه.
أنا مستنياك تختار وقت مناسب نتكلم فيه بهدوء.
بصيت للتاريخ مرة واتنين.
افتكرت اليوم ده كويس.
منى كانت طلبت مني فعلًا أقعد معاها بعد العشا، وأنا قلتلها إن عندي اجتماع طارئ، ووعدتها إننا نتكلم في الويك إند.
لكن الويك إند جه، وأنا سافرت إسكندرية عشان أخلص صفقة جديدة.
وبعدها نسيت الموضوع تمامًا.
حسيت بإحراج شديد، وقلت بصوت واطي
هي بعتتلي الخطاب ده، وأنا حتى مكنتش فاكر.
سعاد ردت بهدوء
عشان كده هي اتغيرت. مش بسبب ورقة واحدة، ولا بسبب مشكلة واحدة. هي كانت بتحاول توصلك حاجات كتير، وكل مرة كانت بتأجل نفسها لحد ما تعبت.
حطيت الخطاب على الترابيزة، ومررت إيدي على وشي.
كنت طول الوقت فاكر إن منى هي اللي انسحبت فجأة، لكن كل ورقة بشوفها كانت بتثبتلي إن الانسحاب ده بدأ من زمان، وأنا اللي مكنتش شايفه.
فجأة، سعاد مدت إيدها للصندوق الخشب الكبير اللي كان في الركن.
فتحته وطلعت منه ظرف بني صغير.
قالت
فيه حاجة تانية لازم تشوفها قبل ما تمشي.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة من عقد ملكية، وورقة عليها توقيع أبويا، ومستند مختوم من مكتب تسجيل العقارات.
لكن اللي خلاني أقف من مكاني كان اسم مكتوب في منتصف المستند.
اسم شركتي.
شركة الشناوي للاستثمار العقاري.
بصيت لسعاد وقلت
إيه علاقة شركتي بالعقار ده؟!
قالت
من حوالي تلات سنين، شركتك قدمت طلب لإعادة تطوير المبنى، وكان فيه كلام عن هدمه وبناء مشروع جديد مكانه.
افتكرت المشروع فورًا.
كان من أكبر المشاريع اللي شغالة عليها الشركة، وكنت فاكر إن كل أوراق الملكية سليمة، وإن العقار داخل ضمن الممتلكات المسجلة باسم العيلة.
سألتها بقلق
مين اللي راجع الأوراق وقتها؟
قالت
معرفش مين بالظبط. لكن منى اكتشفت إن ملف الملكية ناقص، وإن فيه اعتراض قديم متسجل باسم جوزي. وعشان كده بدأت تدور على المستند الأصلي.
حسيت إن الموضوع بقى أخطر بكتير مما توقعت.
لو فيه نزاع حقيقي على ملكية العقار، فده مش بس معناه إن فيه حق محتاج يرجع لصاحبه، لكن كمان ممكن يأثر على مشروع كامل، وعلى عقود واتفاقات اتعملت بناءً على أوراق محتاجة مراجعة.
ومع ذلك، مكنش ده أكتر شيء شاغلني.
كنت عايز أعرف ليه منى شالت الحمل ده كله لوحدها.
سألت سعاد
آخر مرة شفتيها، قالتلك إنها هتعمل إيه؟
بصتلي بحزن وقالت
قالتلي إنها هتسلّم كل المستندات لمحامي مستقل، عشان الحق يرجع لصاحبه بالطريقة القانونية، وإنها مش عايزة تستخدم الموضوع للضغط على حد.
وبعدها؟
بعدها قالتلي إنها أخيرًا قررت تبدأ حياة جديدة، وإنها مش هتفضل مستنية حد يسمعها طول العمر.
نزلت عيني للأرض.
لأول مرة، بدأت أفهم إن منى مكنتش بتحاول تعاقبني.
هي كانت بتحاول تعمل الصح، وفي نفس الوقت تنقذ نفسها من حياة بقت بتتعبها.
وقبل ما أمشي، سعاد نادتني
يا أحمد، استنى.
لفيت ناحيتها.
قالت
فيه حاجة منى طلبت مني أقولها لك لو جيت هنا بنفسك.
قربت منها وسألت
إيه هي؟
طلعت ورقة صغيرة من جيب الملف، ومدتهالي.
كان مكتوب فيها
لو أحمد وصل للحقيقة، قوله إن فيه فرق بين إنه يصلح غلط قديم، وإنه يحاول يرجع كل حاجة زي ما كانت.
مش كل حاجة بنخسرها ينفع نرجعها، لكن ده مش معناه إننا منصلحش اللي لسه في إيدينا.
فضلت باصص للكلام فترة طويلة.
وبعدين سألت سعاد
هي قالتلك أي حاجة عن مكانها؟
هزت راسها.
لأ، وأنا احترمت رغبتها ومطلبتش أعرف.
خرجت من البيت وأنا شايل صور العقود، ونسخ المستندات، وكلام منى اللي بقى بيتردد في دماغي.
أول ما ركبت عربيتي، اتصلت بمحامي الشركة وطلبت منه يوقف أي إجراء جديد متعلق بالعقار لحد ما نراجع الملكية بالكامل، ونتأكد إن حقوق كل الأطراف محفوظة.
وبعدها اتصلت بمحامي الطلاق، وطلبت منه يوضحلي كل التفاصيل القانونية، من غير ما أحاول أتجاوز قرار منى أو أضغط عليها.
كنت لسه مش عارف إذا كان ممكن أصلح أي حاجة بيني وبينها.
لكن كنت عارف إن فيه حاجات لازم أعملها، حتى لو مفيش أي أمل إنها ترجع.
وفي اللحظة اللي كنت فيها على وشك أشغل العربية، موبايلي رن.
رقم غير مسجل.
رديت وقلت
ألو؟
سمعت صوت راجل كبير في السن بيقول
أستاذ أحمد الشناوي؟
أيوه، مين معايا؟
قال
اسمي عادل منصور، وأنا كنت المحاسب الخاص بوالدك قبل وفاته. عرفت إنك بدأت تراجع ملف العقار القديم، وعندي معلومة لازم تعرفها قبل ما تاخد أي قرار.
شدّيت إيدي على التليفون.
معلومة إيه؟
قال بصوت متردد
النسخة الأصلية من الاتفاق بين والدك وعبد الرحيم مش عند الأستاذ فؤاد، ومش عند الست سعاد.
سألته
أمال فين؟!
سكت ثواني، وبعدين قال
النسخة الأصلية موجودة في مكان محدش فكر يدور فيه، ووالدك بنفسه طلب مني أخفيها هناك.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
المكان ده فين؟
رد بجملة واحدة قلبت كل حساباتي
في أرشيف شركتك يا أستاذ أحمد، جوه ملف مشروع اتنفذ من سنين، ومحدش فتحه من يوم ما والدك مات.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، قال
بس فيه مشكلة أنا مش الوحيد اللي عارف مكان الملف ده.
وبعدين قفل الخط.
فضلت ماسك التليفون، وبصيت للمستندات اللي جنبي.
مين الشخص التاني اللي عارف مكان العقد؟
وليه أبويا اختار يخفي أهم ورقة في تاريخ العقار جوه شركتي أنا؟
والأهم من ده كله هل منى اكتشفت مكان العقد قبل ما تمشي، ولا لسه فيه جزء أخير من الحقيقة محدش عرفه لحد دلوقتي؟
دخلت البيت وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
الست العجوز قفلت الباب ورايا، وأشارتلي أقعد على كنبة قديمة في الصالة. البيت كان بسيط جدًا، والحيطان مليانة صور عائلية قديمة، وفي ركن بعيد كان فيه صندوق خشب كبير، شبه الصندوق اللي كنت فاكره من بيت أبويا.
بصيت للصندوق، وبعدين رجعت بصيتلها وسألتها
حضرتك تعرفي أبويا من إمتى؟
قعدت قدامي، وفضلت ساكتة شوية، كأنها بتحاول تجمع شجاعتها عشان تتكلم.
وبعدين قالت
أنا اسمي سعاد عبد الرحيم. أبوك عرفني من أكتر من تلاتين سنة، وقت ما كان لسه بيبدأ شغله، ومكانش معاه غير مكتب صغير وموظفين على قدهم.
قلت باستغراب
بس إنتِ إيه علاقتك بميراثه؟ وليه المحامي بيقول إن فيه حق ليكي في عقار ورثته أنا؟
سعاد اتنهدت، وقامت جابت صندوق خشب صغير من فوق الدولاب، وحطته على الترابيزة.
قبل ما أجاوبك، لازم تعرف إن أبوك مكنش طول عمره رجل أعمال غني زي ما إنت عرفته. في بداية حياته، كان فيه ناس كتير وقفت جنبه، وأنا كنت واحدة منهم.
فتحت الصندوق، وطلعت منه صورة قديمة لرجلين واقفين قدام مبنى تحت الإنشاء.
عرفت أبويا من أول نظرة، رغم إن الصورة كانت قديمة جدًا.
أما الراجل اللي واقف جنبه، فمكنتش أعرفه.
سألتها
مين الراجل التاني ده؟
قالت
جوزي، الله يرحمه. اسمه عبد الرحيم. هو وأبوك اشتروا العقار ده سوا، وكل واحد فيهم دفع نص تمنه تقريبًا.
اتسمرت مكاني.
إزاي؟! العقار ده مسجل باسم أبويا لوحده!
سعاد هزت راسها بحزن.
أيوه، ودي كانت بداية المشكلة. جوزي كان مسافر وقت تسجيل العقد، وأبوك قاله إنه هيخلّص الإجراءات مؤقتًا، وبعدها هيسجل نصيب كل واحد فيهم بالشكل القانوني. لكن الأيام عدت، والشغل كبر، والمشاكل ظهرت، والتسجيل اتأجل مرة ورا التانية.
قلت بعصبية
يعني أبويا خد حق جوزك؟
رفعت إيدها بسرعة وقالت
استنى يا أحمد، متحكمش قبل ما تسمع الحكاية كلها. أبوك غلط لما ساب الموضوع من غير ما يخلصه، لكنه حاول يصلح الغلط ده بعدين.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
جوزي مات فجأة، وسابلي بنت صغيرة. وقتها كنت فاكرة إن الأوراق اللي معايا كفاية عشان أثبت حقي، لكن لما حاولت أراجع الملكية، اكتشفت إن النسخة الأصلية من الاتفاق اختفت.
وإنتِ عملتي إيه؟
حاولت أتكلم مع أبوك، وهو اعترف إن الاتفاق كان موجود، ووعدني إنه هيرجعلي حقي. لكن كان كل مرة يقول إن فيه مشكلة في التسجيل، أو إن فيه مستند ناقص، أو إن المحامي محتاج وقت.
حسيت بغضب شديد.
أنا طول عمري كنت فخور بأبويا، وكنت بعتبره مثلي الأعلى في الشغل. فكرة إنه يكون ساب سيدة وحقها معلق كل السنين دي كانت صعبة عليّا.
لكن سعاد قالت جملة خلتني أراجع حكمي بسرعة.
رغم كل ده، أبوك عمره ما أنكر حقي قدامي. بالعكس، قبل ما يموت، بعتلي رسالة قال فيها إنه جهز أوراق تثبت الاتفاق، وإنه طلب من المحامي يحفظها لحد ما تتراجع الملكية رسميًا.
سألتها
طب ليه الأوراق دي موصلتلكيش؟
ردت
لأن أبوك مات قبل ما الموضوع يخلص، وبعدها كل حاجة اتلخبطت. والمحامي القديم تقاعد، والملفات اتنقلت، وأنا معنديش فلوس أدخل في نزاع قانوني طويل مع عيلتكم.
بصيت للصورة القديمة اللي كانت على الترابيزة.
وبعدين سألتها
وبنتك؟ هي فين دلوقتي؟
سعاد بصتلي نظرة غريبة، وبعدها قالت
بنتي كبرت واتجوزت، وبقت عندها بيتها وحياتها. وهي عمرها ما طلبت مني أطالبكم بأي حاجة. لكن أنا كنت عايزة أرجع الحق لصاحبه، حتى لو بعد السنين دي كلها.
فضلت ساكت.
كنت داخل البيت متوقع أكتشف سر يخص أبويا، لكن مكنتش متوقع ألاقي نفسي قدام حكاية فيها حقوق ناس، ووعود قديمة، وأخطاء محدش حاول يصلحها في وقتها.
مديت إيدي للصورة وسألتها
طب منى عرفت كل ده إزاي؟
سعاد اتنهدت وقالت
منى جتلي من حوالي سبع شهور.
قلبي دق بسرعة.
سبع شهور؟!
أيوه. كانت معاها صورة من عقد قديم، وبتسألني إذا كنت أعرف حاجة عن العقار. في الأول مكنتش واثقة فيها، وافتكرتها جاية تحاول تقفل الموضوع لصالح عيلتكم، لكن لما فهمت إنها عايزة تعرف الحقيقة، حكيتلها كل اللي أعرفه.
سألتها بلهفة
وهي قالتلك إيه؟
قالتلي إنها مش هتسمح إن حق حد يضيع، حتى لو الموضوع هيعمل مشكلة بينها وبين أقرب الناس ليها.
حسيت إن صدري اتقبض.
منى كانت بتتحرك في صمت، وبتراجع الأوراق، وبتدور على أصحاب الحق، وأنا كنت مشغول بالشركة واجتماعاتي وصفقاتي.
لكن السؤال اللي كان محيرني أكتر من أي حاجة
ليه منى مقدرتش تحكيلي من الأول؟
سعاد كأنها قرأت أفكاري، فقالت
هي حاولت يا أحمد.
رفعت عيني بسرعة.
حاولت إزاي؟!
قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب صغير، وطلعت منه ملف أزرق.
فتحته، وطلعت ورقة عليها تاريخ من حوالي ست شهور.
دي نسخة من خطاب منى لوالدك، كانت محتفظة بيها ضمن أوراقها، وسبتهالي لما جت آخر مرة.
مسكت الورقة وبدأت أقرأ.
كان الخطاب موجه ليا أنا، لكن واضح إنها كانت كتباه من شهور، قبل ما تبدأ إجراءات الطلاق.
أحمد،
أنا محتاجة أقعد معاك ونتكلم في موضوع مهم يخص والدك، ومش عايزة نتعامل معاه باعتباره مشكلة قانونية وبس.
الموضوع محتاج إنك تسمعني للآخر، حتى لو اللي هقوله مش هيعجبك.
أنا عارفة إنك بتحب والدك، وعارفة إن الكلام عن أخطاء حصلت في الماضي ممكن يكون صعب عليك، لكن الحق لازم يرجع لأصحابه.
أنا مستنياك تختار وقت مناسب نتكلم فيه بهدوء.
بصيت للتاريخ مرة واتنين.
افتكرت اليوم ده كويس.
منى كانت طلبت مني فعلًا أقعد معاها بعد العشا، وأنا قلتلها إن عندي اجتماع طارئ، ووعدتها إننا نتكلم في الويك إند.
لكن الويك إند جه، وأنا سافرت إسكندرية عشان أخلص صفقة جديدة.
وبعدها نسيت الموضوع تمامًا.
حسيت بإحراج شديد، وقلت بصوت واطي
هي بعتتلي الخطاب ده، وأنا حتى مكنتش فاكر.
سعاد ردت بهدوء
عشان كده هي اتغيرت. مش بسبب ورقة واحدة، ولا بسبب مشكلة واحدة. هي كانت بتحاول توصلك حاجات كتير، وكل مرة كانت بتأجل نفسها لحد ما تعبت.
حطيت الخطاب على الترابيزة، ومررت إيدي على وشي.
كنت طول الوقت فاكر إن منى هي اللي انسحبت فجأة، لكن كل ورقة بشوفها كانت بتثبتلي إن الانسحاب ده بدأ من زمان، وأنا اللي مكنتش شايفه.
فجأة، سعاد مدت إيدها للصندوق الخشب الكبير اللي كان في الركن.
فتحته وطلعت منه ظرف بني صغير.
قالت
فيه حاجة تانية لازم تشوفها قبل ما تمشي.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة من عقد ملكية، وورقة عليها توقيع أبويا، ومستند مختوم من مكتب تسجيل العقارات.
لكن اللي خلاني أقف من مكاني كان اسم مكتوب في منتصف المستند.
اسم شركتي.
شركة الشناوي للاستثمار العقاري.
بصيت لسعاد وقلت
إيه علاقة شركتي بالعقار ده؟!
قالت
من حوالي تلات سنين، شركتك قدمت طلب لإعادة تطوير المبنى، وكان فيه كلام عن هدمه وبناء مشروع جديد مكانه.
افتكرت المشروع فورًا.
كان من أكبر المشاريع اللي شغالة عليها الشركة، وكنت فاكر إن كل أوراق الملكية سليمة، وإن العقار داخل ضمن الممتلكات المسجلة باسم العيلة.
سألتها بقلق
مين اللي راجع الأوراق وقتها؟
قالت
معرفش مين بالظبط. لكن منى اكتشفت إن ملف الملكية ناقص، وإن فيه اعتراض قديم متسجل باسم جوزي. وعشان كده بدأت تدور على المستند الأصلي.
حسيت إن الموضوع بقى أخطر بكتير مما توقعت.
لو فيه نزاع حقيقي على ملكية العقار، فده مش بس معناه إن فيه حق محتاج يرجع لصاحبه، لكن كمان ممكن يأثر على مشروع كامل، وعلى عقود واتفاقات اتعملت بناءً على أوراق