كانت لسه نايمه حكايات زيزي
الورقة بين إيديا.
العقار كان عبارة عن مبنى كبير في وسط القاهرة، اشتراه أبويا من أكتر من تلاتين سنة، وكان فيه شقق ومحلات ومخازن.
بعد وفاته، ورثت ممتلكاته، واتعاملت مع العقار ده على إنه ملك للعيلة، لكن المبنى كان مقفول من سنين بسبب نزاع على أوراق الملكية.
سألت المحامي
وإيه علاقة منى بالموضوع؟
طلع ورقة تانية وقال
قبل الطلاق بحوالي ست شهور، مدام منى تواصلت مع مكتب قانوني عشان تستفسر عن مستندات تخص العقار. وبعدها بفترة، طلبت مراجعة بعض الأوراق المرتبطة بالميراث.
ضربت بإيدي على المكتب.
وليه متقوليش الكلام ده من الأول؟! وليه محدش بلغني إنها بتراجع أملاك أبويا؟!
رد المحامي بحذر
ممكن تكون كانت بتحاول تفهم الموضوع لنفسها، أو بتتصرف بناءً على معلومات وصلتلها. لحد دلوقتي، مفيش دليل يوضح نيتها بشكل قاطع.
سكت شوية، وبعدين سألته
طب المستند اللي قلتلي لازم أشوفه إيه؟
مد إيده لجوه الشنطة، وطلع ظرف بني قديم، كان متقفل بشريط لاصق.
قال
الظرف ده كان موجود في أرشيف مكتب المحامي اللي كان بيتابع أملاك والدك. وظهر اسمه في سجل قديم، لكن محدش فتحه لحد ما طلبنا مراجعة الملف.
فتحت الظرف بحذر.
جواه كانت فيه صورة لعقد، وورقة مكتوبة بخط أبويا، وصورة صغيرة لمبنى قديم.
بدأت أقرأ الورقة المكتوبة بخط إيده.
لو الورق ده وصل في يوم من الأيام لابني أحمد، يبقى غالبًا أنا مكنتش موجود عشان أشرحله الحقيقة بنفسي.
يا أحمد، فيه قرار أخدته من سنين، وكنت فاكر إن السكوت عنه هو الحل الأفضل، لكن السكوت ساعات بيخلّي المشكلة تكبر بدل ما تنتهي.
العقار الموجود في شارع عبد العزيز مش مجرد ملكية عائلية، ومش كل اللي مكتوب في أوراق الميراث بيعكس الحقيقة كاملة.
فيه حق لازم يرجع لأصحابه، وفيه وعد قطعته على نفسي، ومقدرتش أنفذه قبل ما أموت.
لو وصلت للحظة دي، لازم تراجع أصل العقد، وتدور على الست اللي اسمها
وهنا، الورقة كانت مقطوعة.
فضلت باصص للجزء المقطوع وأنا مش قادر أستوعب.
مين الست اللي أبويا كان بيتكلم عنها؟
وليه اسمها اتشال من الورقة؟
قلبت الظرف كله، وراجعت كل ورقة فيه، لكن مكنش فيه أي تكملة.
فجأة، افتكرت إن منى كانت سألتني من حوالي سنة عن صندوق خشب قديم كان موجود في بيت أبويا.
وقتها قلتلها إني معرفش مكانه، وإن كل الحاجات القديمة اتنقلت للمخزن بعد وفاته.
لكن منى كانت مصممة تعرف الصندوق راح فين.
وساعتها قالتلي جملة غريبة
فيه حاجات يا أحمد، قيمتها مش في الفلوس اللي تساويها، لكن في الحقيقة اللي ممكن تكشفها.
وقتها مديتش كلامها أي اهتمام.
دلوقتي، بقيت مش قادر أنسى الجملة دي.
بصيت للمحامي وسألته
إنت تعرف الصندوق ده فين؟
هز راسه وقال
لأ، لكن فيه حاجة تانية. موظف الأرشيف القديم قال إن والد حضرتك سلّم مفتاح خزنة صغيرة لمحاميه قبل وفاته بفترة قصيرة، وطلب منه ما يفتحهاش إلا لو ظهر خلاف على ملكية العقار.
قمت من مكاني فورًا.
والخزنة دي فين دلوقتي؟
قال
في مكتب المحامي القديم، لكن المكتب اتنقل من سنين، ولازم نتأكد إن الخزنة لسه موجودة.
طلبت منه يتحرك فورًا، واتفقنا نتقابل بعد الظهر عند المكتب القديم.
طول الطريق، كنت بحاول أربط الأحداث ببعض.
منى بدأت تراجع أوراق العقار.
بعدها جهزت إجراءات الطلاق.
وأبويا سايب رسالة بتتكلم عن حق لازم يرجع لأصحابه.
هل فيه علاقة بين كل ده؟
ولا أنا بجمع أحداث ملهاش علاقة ببعض، لمجرد إني مش قادر أتقبل إن منى قررت تبعد عني؟
لما وصلت للمكتب القديم، لقينا المحامي اللي استلم ملفات أبويا بعد وفاته.
كان راجل كبير في السن اسمه الأستاذ فؤاد، وأول ما عرف أنا مين، طلب مننا نقعد.
قلتله من غير مقدمات
أنا جاي أسأل عن خزنة والدي.
بصلي فترة طويلة، وبعدها قام من مكانه وراح ناحية مكتبة خشب قديمة.
فتح درج مقفول، وطلع منه مفتاح صغير، وقال
كنت مستني اليوم اللي حد من عيلتك ييجي يسأل عنها.
مد إيده بالمفتاح، لكن قبل ما آخده، سألته
هو إنت كنت تعرف منى؟
اتغيرت ملامح وشه.
وبعد صمت طويل، قال
أيوه، يا أستاذ أحمد. مدام منى جت هنا قبل ما إجراءات الطلاق تخلص.
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة.
وإنت قلتلها إيه؟
رد
قالتلي إنها مش جاية عشان تاخد حاجة لنفسها، ولا عشان تدخل في نزاع على الميراث. كانت عايزة تعرف الحقيقة، وبس.
حقيقة إيه؟!
بص ناحية الباب، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد بيسمعنا، وبعدين قال
الحقيقة اللي والدك حاول يصلحها طول السنين اللي فاتت، لكنه مقدرش.
مسكت المفتاح من إيده وقلت
افتح الخزنة.
دخلنا غرفة صغيرة في آخر المكتب، وكان فيها دولاب حديد قديم.
حط الأستاذ فؤاد المفتاح في القفل، ولفه مرتين.
الباب اتفتح بصعوبة.
جوا الخزنة كان فيه ملف تالت، وصورة عائلية قديمة، ومظروف أبيض مكتوب عليه بخط أبويا
إلى أحمد لو عرفت الحقيقة، متظلمش حد قبل ما تسمع منه.
فتحت المظروف بسرعة، لكن اللي لقيته جواه كان أغرب من كل اللي شوفته لحد دلوقتي.
كانت فيه شهادة ميلاد قديمة، ونسخة من عقد ملكية، وخطاب من أبويا لاسم ست عمري ما سمعته قبل كده.
اسم ست مكتوب بخط واضح في أول الخطاب.
إلى السيدة سعاد عبد الرحيم.
رفعت عيني للأستاذ فؤاد وسألته
مين سعاد دي؟
لكنه ماردش على طول.
قعد على الكرسي، وشبك إيديه، وبعدين قال
سعاد كانت صاحبة الحق الأصلي في العقار اللي إنت ورثته، ووالدك كان عارف ده من سنين طويلة.
حسيت إن دماغي وقفت.
يعني إيه صاحبة الحق؟! إنت بتقول إن أبويا ورّثني حاجة مش بتاعته؟!
رد بسرعة
أنا مش بقول إنك استوليت على حاجة، ولا إن كل الملكية اللي عندك غلط. أنا بقول إن فيه مستندات ناقصة، وإن والدك كان بيحاول يوصل لتسوية تحفظ حق كل طرف.
قلبت العقد، وبدأت أراجع التواريخ.
لكن قبل ما أقدر أستوعب أي حاجة، الأستاذ فؤاد قال جملة خلتني أقف مكاني
مدام منى هي اللي قدرت توصل للخيط اللي والدك سابه، وهي اللي اكتشفت إن فيه مستند أساسي مفقود من الملف.
بصيتله بصدمة.
وهي عرفت الكلام ده منين؟
هز راسه وقال
ده اللي أنا معرفوش. لكنها قبل ما تمشي من هنا، سابتلي رسالة ليك، وقالتلي أوصلهالك لو جيت بنفسك تسأل عن الخزنة.
طلع ورقة صغيرة من درج مكتبه، ومدهالي.
فتحتها، ولقيت سطرين بس بخط منى
أحمد، لو وصلت للمكان ده، يبقى عرفت إن الموضوع مكنش متعلق بالطلاق بس.
دور على النسخة الأصلية من العقد، لأن الشخص اللي معاه النسخة دي هو الوحيد اللي يقدر يفسر ليه والدك ساب كل حاجة بالشكل ده.
وفي آخر الورقة، كان فيه عنوان قديم في حي السيدة زينب.
بصيت للعنوان، وبعدين للأستاذ فؤاد.
وسألته
العنوان ده بتاع مين؟
رد بصوت واطي
ده عنوان البيت اللي كانت عايشة فيه سعاد عبد الرحيم قبل ما تختفي من المنطقة من أكتر من عشرين سنة.
خرجت من المكتب وأنا ماسك الورقة بإيدي.
كنت فاكر إني بدور على تفسير لقرار منى.
لكن دلوقتي، بقيت بدور على حقيقة مدفونة من سنين، حقيقة ممكن تغيّر كل اللي أعرفه عن أبويا، وعن الميراث اللي سابهولي.
والأغرب من كل ده، إن منى كانت وصلت للحقيقة قبلي بوقت طويل.
لكن ليه اختارت تمشي من غير ما تحكيلي؟
وهل كانت خايفة من رد فعلي؟
ولا كانت عارفة إن فيه جزء تاني من الحكاية، لو عرفته، مش هقدر أرجع لحياتي القديمة أبدًا؟
ولما وصلت للعنوان اللي سابتهولي منى، وفتحتلي ست عجوز الباب، أول سؤال سألتهولي كان
إنت أحمد ابن محمود الشناوي؟
ولما رديت عليها بأيوه، وشافت الورقة اللي في إيدي، وشها اتغيّر، وقالتلي
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي بس مكنتش متخيلة إنك هتوصل للحقيقة بالطريقة دي.
وبعدين رجعت خطوتين لورا، وفتحت الباب أكتر، وقالت
ادخل يا ابني لأن اللي هحكيلك عليه دلوقتي، أبوك أخفاه عنك طول عمره، ومراتك هي الوحيدة اللي حاولت تصلحه قبل ما يفوت الأوان.
دخلت البيت وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
الست العجوز قفلت الباب ورايا، وأشارتلي أقعد على كنبة قديمة في الصالة. البيت كان بسيط جدًا، والحيطان مليانة صور عائلية قديمة، وفي ركن بعيد كان فيه صندوق خشب كبير، شبه الصندوق اللي كنت فاكره من بيت أبويا.
بصيت للصندوق، وبعدين رجعت بصيتلها وسألتها
حضرتك تعرفي أبويا من إمتى؟
قعدت قدامي، وفضلت ساكتة شوية، كأنها بتحاول تجمع شجاعتها عشان تتكلم.
وبعدين قالت
أنا اسمي سعاد عبد الرحيم. أبوك عرفني من أكتر من تلاتين سنة، وقت ما كان لسه بيبدأ شغله، ومكانش معاه غير مكتب صغير وموظفين على قدهم.
قلت باستغراب
بس إنتِ إيه علاقتك بميراثه؟ وليه المحامي بيقول إن فيه حق ليكي في عقار ورثته أنا؟
سعاد اتنهدت، وقامت جابت صندوق خشب صغير من فوق الدولاب، وحطته على الترابيزة.
قبل ما أجاوبك، لازم تعرف إن أبوك مكنش طول عمره رجل أعمال غني زي ما إنت عرفته. في بداية حياته، كان فيه ناس كتير وقفت جنبه، وأنا كنت واحدة منهم.
فتحت الصندوق، وطلعت منه صورة قديمة لرجلين واقفين قدام مبنى تحت الإنشاء.
عرفت أبويا من أول نظرة، رغم إن الصورة كانت قديمة جدًا.
أما الراجل اللي واقف جنبه، فمكنتش أعرفه.
سألتها
مين الراجل التاني ده؟
قالت
جوزي، الله يرحمه. اسمه عبد الرحيم. هو وأبوك اشتروا العقار ده سوا، وكل واحد فيهم دفع نص تمنه تقريبًا.
اتسمرت مكاني.
إزاي؟! العقار ده مسجل باسم أبويا لوحده!
سعاد هزت راسها بحزن.
أيوه، ودي كانت بداية المشكلة. جوزي كان مسافر وقت تسجيل العقد، وأبوك قاله إنه هيخلّص الإجراءات مؤقتًا، وبعدها هيسجل نصيب كل واحد فيهم بالشكل القانوني. لكن الأيام عدت، والشغل كبر، والمشاكل ظهرت، والتسجيل اتأجل مرة ورا التانية.
قلت بعصبية
يعني أبويا خد حق جوزك؟
رفعت إيدها بسرعة وقالت
استنى يا أحمد، متحكمش قبل ما تسمع الحكاية كلها. أبوك غلط لما ساب الموضوع من غير ما يخلصه، لكنه حاول يصلح الغلط ده بعدين.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
جوزي مات فجأة، وسابلي بنت صغيرة. وقتها كنت فاكرة إن الأوراق اللي معايا كفاية عشان أثبت حقي، لكن لما حاولت أراجع الملكية، اكتشفت إن النسخة الأصلية من الاتفاق اختفت.
وإنتِ عملتي إيه؟
حاولت أتكلم مع أبوك، وهو اعترف إن الاتفاق كان موجود، ووعدني إنه هيرجعلي حقي. لكن كان كل مرة يقول إن فيه مشكلة في التسجيل، أو إن فيه مستند ناقص، أو إن المحامي محتاج وقت.
حسيت بغضب شديد.
أنا طول عمري كنت فخور بأبويا، وكنت بعتبره مثلي الأعلى في الشغل. فكرة إنه يكون ساب سيدة وحقها معلق كل السنين دي كانت صعبة عليّا.
لكن سعاد قالت جملة خلتني أراجع حكمي بسرعة.
رغم كل ده، أبوك عمره ما أنكر حقي قدامي. بالعكس، قبل ما يموت، بعتلي رسالة قال فيها إنه جهز أوراق تثبت الاتفاق، وإنه طلب من المحامي يحفظها لحد ما تتراجع الملكية رسميًا.
سألتها
طب ليه الأوراق دي موصلتلكيش؟
ردت
لأن أبوك مات قبل ما الموضوع يخلص، وبعدها كل حاجة اتلخبطت. والمحامي القديم تقاعد، والملفات اتنقلت، وأنا معنديش فلوس أدخل في نزاع قانوني طويل مع عيلتكم.
بصيت للصورة القديمة اللي كانت على الترابيزة.
وبعدين سألتها
وبنتك؟ هي فين دلوقتي؟
سعاد بصتلي نظرة غريبة، وبعدها قالت
بنتي كبرت واتجوزت، وبقت عندها بيتها وحياتها. وهي عمرها ما طلبت مني أطالبكم بأي حاجة. لكن أنا كنت عايزة أرجع الحق لصاحبه، حتى لو بعد السنين دي كلها.
فضلت ساكت.
كنت داخل البيت متوقع أكتشف سر يخص أبويا، لكن مكنتش متوقع ألاقي نفسي قدام حكاية فيها حقوق ناس، ووعود قديمة، وأخطاء محدش حاول يصلحها في وقتها.
مديت إيدي للصورة وسألتها
طب منى عرفت كل ده إزاي؟
سعاد اتنهدت وقالت
منى جتلي من حوالي سبع شهور.
قلبي دق بسرعة.
سبع شهور؟!
أيوه. كانت معاها صورة من عقد قديم، وبتسألني إذا كنت أعرف حاجة عن العقار. في الأول مكنتش واثقة فيها، وافتكرتها جاية تحاول تقفل الموضوع لصالح عيلتكم، لكن لما فهمت إنها عايزة تعرف الحقيقة، حكيتلها كل اللي أعرفه.
سألتها بلهفة
وهي قالتلك إيه؟
قالتلي إنها مش هتسمح إن حق حد يضيع، حتى لو الموضوع هيعمل مشكلة بينها وبين أقرب الناس ليها.
حسيت إن صدري اتقبض.
منى كانت بتتحرك في صمت، وبتراجع الأوراق، وبتدور على أصحاب الحق، وأنا كنت مشغول بالشركة واجتماعاتي وصفقاتي.
لكن السؤال اللي كان محيرني أكتر من أي حاجة
ليه منى مقدرتش تحكيلي من الأول؟
سعاد كأنها قرأت أفكاري، فقالت
هي حاولت يا أحمد.
رفعت عيني بسرعة.
حاولت إزاي؟!
قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب صغير، وطلعت منه ملف أزرق.
فتحته، وطلعت ورقة عليها تاريخ من حوالي ست شهور.
دي نسخة من خطاب منى لوالدك، كانت محتفظة بيها ضمن أوراقها، وسبتهالي لما جت آخر مرة.
مسكت الورقة وبدأت أقرأ.
كان الخطاب موجه ليا أنا، لكن واضح إنها كانت كتباه من شهور، قبل ما تبدأ إجراءات الطلاق.
أحمد،
أنا محتاجة أقعد معاك ونتكلم في موضوع مهم يخص والدك، ومش عايزة نتعامل معاه باعتباره مشكلة قانونية وبس.
الموضوع محتاج