امى عندها 85 سنة

لمحة نيوز


الأستاذة نوال هي اللي عملت كده.
أمي قالت له
يا محمود، وقتها كان هدفنا إن كل طالب ياخد فرصته، مش إن حد يتكرم أو اسمه يتكتب في شهادة.
محمود طلب مننا صورة من الورقة، وبعدها قال إنه عايز يشارك الحكاية مع أولاده، عشان يعرفوا إن مساعدة الناس مش لازم تكون بمبالغ كبيرة؛ أحيانًا قرار عادل أو كلمة تشجيع ممكن يغيّروا حياة إنسان.
وفي الأسبوع التالي، اجتمع عدد من طلاب أمي القدامى في بيتنا، وجابوا معاهم صورًا وشهادات قديمة، وقرروا يعملوا معرضًا صغيرًا يحكي عن تاريخ المدرسة والطلاب اللي اتخرجوا منها.
أمي فرحت جدًا بالفكرة، لكنها اشترطت عليهم إن المعرض ما يكونش مجرد احتفال بالناس الناجحة.
قالت
عايزاكم كمان تحكوا عن الطلاب اللي واجهوا ظروفًا صعبة، واللي اتعلموا حرفة، واللي اشتغلوا وربّوا أسرهم بأمانة. كل واحد فيهم له قيمة، ومش لازم النجاح يكون له شكل واحد.
واتفقوا إن المعرض يكون مفتوحًا للأطفال وأهاليهم، وإنهم يخصصوا جزءًا منه لعرض قصص عن الاجتهاد والأمانة واحترام الآخرين.
وفي يوم الافتتاح، وقف محمود قدام الحضور وقال
أنا كنت واحدًا من الطلاب اللي استفادوا من الأستاذة نوال، لكني بعد سنين طويلة نسيت الدرس الأهم، لما اتهمتها بالسرقة من غير دليل. اللي حصل خلاني أفهم إن الإنسان ممكن يحفظ الكلام سنين، لكنه محتاج يطبقه وقت الاختبار الحقيقي.
وبعدين بص لأمي وقال
أنا مش بطلب من حضرتك تنسي اللي حصل، لكن أتمنى أكون قدرت أصلح جزءًا من الغلط اللي ارتكبته.
أمي ردت قدام الجميع
أنا قبلت اعتذارك يا محمود، لكن الأهم عندي إنك تحافظ على الدرس ده طول عمرك. كلنا بنغلط، لكن مش كلنا بنمتلك الشجاعة إننا نعترف بغلطنا ونصلحه.
الناس صفقت، ومحمود رجع يقف وسط زملائه، المرة دي من غير ما يحاول يبرر اللي حصل.
وبعد انتهاء المعرض، رجعنا البيت، وأمي كانت تعبانة شوية، لكنها سعيدة.
قعدت جنبها وسألتها
يا ماما، بعد كل السنين دي، لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتختاري نفس الطريق؟
بصتلي بابتسامة وقالت
أيوه يا بنتي، كنت هختار أكون مدرسة تاني. مش عشان كل حاجة كانت سهلة، ولا عشان كل الناس قدّرت اللي عملته، لكن عشان أنا شفت بعيني إن الكلمة الطيبة والفرصة العادلة ممكن يغيروا حياة إنسان.
وبعدين أضافت
بس كنت هعلّم أولادي وطلابي درسًا مهمًا من البداية ما تحكمش على حد من موقف واحد، وما تسمحش لحد يهينك بحجة إنه أقوى منك. اتأكد من الحقيقة، ودافع عن حقك، وخلي أخلاقك هي اللي تحكم تصرفاتك.
في الليلة دي، كتبت في آخر كراستها
يمكن الإنسان ما يقدرش يغيّر كل اللي حصل في الماضي، لكنه يقدر يمنع نفس الغلط من إنه يتكرر في المستقبل.
وبعدها قفلت الكراسة ونامت.
كنت فاكرة إن دي هتكون آخر صفحة في الحكاية، لكن بعد أسبوع، وصلنا اتصال من إدارة المدرسة القديمة، بيقول إنهم لقوا تسجيلًا صوتيًا نادرًا لمدير المدرسة السابق، مسجلًا قبل وفاته بسنوات، وكان بيتكلم فيه عن قرار أمي اللي أنقذ الفصل من الضياع.
ولما سمعنا التسجيل، اكتشفنا إن فيه تفاصيل ما كانش أي حد يعرفها، حتى أمي نفسها.
التفاصيل دي كشفت إن موقف أمي ما أنقذش الطلاب العشرين بس، لكنه غيّر سياسة المدرسة كلها، وخلّى مدارس تانية تبدأ تطبق نفس الفكرة!
يتبع...
النهاية الأستاذة نوال سابت أثرًا ما يموتش 
في اليوم التالي، رحنا أنا وأمي المدرسة القديمة عشان نسمع التسجيل كاملًا.
قعدنا في مكتب المدير، وحط الموظف جهاز التسجيل على الترابيزة، وبدأ صوت المدير السابق يطلع من السماعة، وكان بيقول
يمكن ناس كتير تفتكر إن الأستاذة نوال كانت مجرد مدرسة بتحاول تنجّح طلابها، لكن الحقيقة إنها وقفت قدام قرار كان ممكن يدمّر مستقبل عشرين طالبًا. يومها، الإدارة كانت ناوية تفصل بعض الطلاب بسبب الغياب وضعف الدرجات، لكن نوال طلبت فرصة أخيرة ليهم، وتعهدت إنها تتابعهم بنفسها.
أمي فضلت ساكتة، وعينيها بدأت تدمع من التأثر.
التسجيل كمل
أنا في البداية رفضت طلبها، وقلت لها إن المدرسة مش مسؤولة عن ظروف كل بيت. لكنها ردت عليّ بكلام عمري ما نسيته المدرسة مش مكان بنعاقب فيه الطالب على ظروفه، المدرسة مكان بنديله فيه فرصة يتغلب عليها.
المدير السابق اعترف في التسجيل إنه غيّر رأيه بعد ما شاف نتيجة التجربة، وإنه هو اللي اقترح تعميم الطريقة على باقي الفصول.
وبعدين قال جملة خلتني أبص لأمي وأنا مش مصدقة
لو كل مسؤول امتلك شجاعة الاعتراف إن قراره ممكن يكون غلط، كان مستقبل ناس كتير اتغير للأحسن.
خلص التسجيل، وفضلنا ساكتين شوية.
المدير الحالي قام من مكانه، وقدم لأمي خطابًا رسميًا بيبلغها إن المدرسة قررت تخصيص يوم سنوي باسمها، يكون هدفه تكريم المعلمين اللي بيساعدوا الطلاب المتعثرين، وتقديم دعم تعليمي للطلاب اللي ظروفهم صعبة.
أمي رفضت في البداية، وقالت
أنا مش عايزة يوم باسمي، أنا عايزة الطلاب دول يلاقوا مدرس يسمعهم، ومدرسة تساعدهم، وفرصة حقيقية يكملوا تعليمهم.
المدير ابتسم وقال
وده بالضبط اللي اليوم ده هيعمله يا أستاذة نوال.
وافقت أمي بشرط واحد إن المبادرة تستقبل كل طالب محتاج للمساعدة، من غير تمييز بين غني وفقير، أو متفوق وضعيف.
وبعد شهر، اتعمل أول يوم للمبادرة.
حضر محمود، وجاب معاه مجموعة من زملائه. وحضر إبراهيم ومعاه أدوات النجارة اللي قرر يستخدمها في تدريب الشباب على حرفة تساعدهم يلاقوا شغل، من غير ما يسيبوا تعليمهم.
أما سامح، فتكفل بتجهيز قاعة صغيرة للمذاكرة، وعادل ساعد في توفير أجهزة كمبيوتر مستعملة بحالة جيدة.
والمفاجأة إن ناسًا كتير من أهل المنطقة شاركوا في المبادرة؛ واحد وفر كتبًا، والتاني ساعد في صيانة المكان، وستات من المنطقة جهزوا وجبات بسيطة للطلاب اللي بيقضوا ساعات طويلة في المذاكرة.
أمي كانت قاعدة في أول صف، بتبص للطلاب وهم داخلين، وكل شوية تسأل عن واحد منهم وتوصيه بالاجتهاد.
وفجأة، دخل شاب صغير، كان واقف عند الباب ومتردد إنه يقرب.
لاحظته أمي، فنادت عليه
تعالى يا ابني، واقف بعيد ليه؟
قرب منها وقال بخجل
أنا درجاتي ضعيفة، وبغيب كتير عشان بساعد أبويا في الشغل، وخايف محدش يقبل يساعدني.
أمي بصت له وقالت
إحنا مش بنسألك جبت كام درجة قبل ما نسمع منك. إحنا عايزين نعرف إيه اللي محتاجه عشان تقدر تكمل. بس أوعدني إنك تحاول، وإحنا هنبذل اللي نقدر عليه عشان نساعدك.
الشاب هز راسه، وقعد وسط باقي الطلاب.
في اللحظة دي، فهمت إن أمي كانت بتعيد نفس الحكاية من أول وجديد، لكن المرة دي كان معاها ناس كتير بيكملوا الطريق.
مرت شهور، والمبادرة كبرت، وبقى فيها مدرسون متطوعون، وفصول تقوية، وتدريب على الحرف، ومساعدة للطلاب اللي ظروفهم بتجبرهم يشتغلوا بدري.
أما محمود، فكان كل ما يشوف طالبًا بيتعرض للسخرية بسبب درجاته، يتدخل ويوقف الموقف، ويفتكر اليوم اللي اتسرع فيه واتهم أمي من غير ما يتأكد.
وفي إحدى الزيارات، وقف قدام الطلاب وقال
أنا اتعلمت من الأستاذة نوال درسًا أغلى من أي شهادة ما تظلمش إنسان لمجرد إنك شكيت فيه، وما تقللش من قيمة حد بسبب ضعفه. يمكن الشخص اللي إنت شايفه محتاج مساعدة النهارده، يكون بكرة سبب في تغيير حياة ناس كتير.
وبعد ما خلص كلامه، طلب من أمي إنها تقول للطلاب كلمة أخيرة.
قامت ببطء، واستندت على عصاها، وبصت في وجوههم وقالت
يا ولاد، أنا عشت سنين طويلة، وشفت ناس معاها شهادات كبيرة، لكن مش كلهم كانوا أصحاب علم حقيقي. العلم مش إنك تعرف الإجابة وبس؛ العلم كمان إنك تعرف تتصرف بعدل، وتحترم غيرك، وتعترف بغلطك لما تغلط.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
ومهما كانت بدايتك صعبة، ما تخليش حد يقنعك إن مستقبلك انتهى. يمكن تتأخر، ويمكن تتعثر، لكن طول ما إنت بتحاول وبتتعلم، لسه قدامك طريق تقدر تمشي فيه.
الطلاب صفقوا بحرارة، وأمي رجعت قعدت وهي مبتسمة.
وفي عيد ميلاد أمي السادس والثمانين، اجتمعنا في البيت، وجاب محمود وإبراهيم وسامح وعادل هدية واحدة من كل طلاب المبادرة.
كانت لوحة خشبية بسيطة، مكتوب عليها
إلى الأستاذة نوال المعلمة التي آمنت بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا.
أمي فضلت تبص للوحة فترة طويلة، وبعدين قالت
أنا مش عايزة حد يفتكرني عشان شهادة أو تكريم. لو بعد سنين طويلة، واحد منكم افتكر إنه لازم ينصف مظلوم، أو يساعد طالب ضعيف، أو يدي إنسان فرصة عادلة، يبقى أنا عملت حاجة تستاهل.
وفي آخر الليلة، رجعت اللوحة لمكانها، وطلبت مني أفتح درج مكتبها وأجيب الكراسة القديمة اللي كانت بتكتب فيها ملاحظاتها عن الطلاب.
فتحت آخر صفحة، وكتبت بخطها الهادئ
لم أكن أملك ثروة أتركها لأولادي، ولا منصبًا أفتخر به، لكنني حاولت أن أترك في كل طالب شيئًا يجعله أفضل مما كان. واليوم عرفت أن الخير الذي نزرعه قد يتأخر في الظهور، لكنه لا يضيع.
وبعدها قفلت الكراسة.
مرت الأيام، وكبرت المبادرة، واتخرج طلاب كانوا في يوم من الأيام على وشك ترك المدرسة، وبقى بعضهم يساعد طلابًا أصغر منهم، بنفس الطريقة اللي اتساعدوا بيها.
أما أمي، ففضلت طول عمرها تقول إن أعظم إنجاز في حياتها مش عدد الطلاب اللي نجحوا، لكن عدد الطلاب اللي رجعوا يؤمنوا بنفسهم.
وفي يوم هادي، سألتها
يا ماما، إنتِ عمرك ندمتي إنك تعبتي نفسك مع كل الناس دي؟
ابتسمت وقالت
التعب بيروح يا بنتي، لكن الأثر الطيب بيفضل. وأنا لو رجع بيا الزمن، هختار نفس الطريق، حتى لو محدش كرمني، وحتى لو محدش عرف اسمي.
ومن يومها، فهمت إن فيه ناس بتسيب فلوس وعقارات بعد رحيلها، وفيه ناس بتسيب أثرًا يعيش في قلوب البشر. وأمي نوال كانت من النوع التاني؛ امرأة بسيطة، اتظلمت في موقف، لكنها ما سمحتش للظلم يغيّر قلبها، وفضلت ترد على القسوة بالعدل، وعلى الجهل بالتعليم، وعلى اليأس بالأمل.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط